أما بعد، قد بلغني أن ابن الزبير سيرك إلى الطائف، فأحدث اله جل وعز لك بذلك ذخراً حط به عنك وزراً. يا بن عم؛ إنما يبتلى الصالحون، وتعد الكرامة للأخيار؛ ولو لم تؤجر إلا فيما تحب لقل الأجر، وقد قال الله تعالى: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم " . عزم الله لنا ذلك بالصبر على البلاء، والشكر على النعماء، ولا أشمت بنا عدوا والسلام.
وقال: مالك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من يومك، فأية أكلةٍ ليس معها غصصٌ، أو شربةٍ ليس معها شرقٌ؟ فتأمل أمرك؛ فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، والخيال المخترم. أهل الدنيا أهل سفرٍ لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها.
وقال في قوله عز ذكره: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " هي مسجلةٌ للبر والفاجر يعني مرسلة.
وذكر رجلا يلي بعد السفياني، فقال: حمش الذراعين والساقين، مصفح الرأس، غائر العينين، بين شث وطباقِ.
ولما دعاه ابن الزبير إلى البيعة قال: إنما ابن الزبير شيطانٌ كلما رفع رأسه قمعه الله.
وقال: إني أكره أن أيسر هذه الأمة أمرها وآتيها من غير وجهها.
وذكر أمير المؤمنين عليه السلام فقال: كان إذا تكلم بذ، وإذا كلم حذ. وهذا مثل قول غيره: كان علي إذا تكلم فصل، وإذا ضرب قتل.
وقال غيره: كان إذا اعترض قط وإذا اعتلى قد.
وقال محمد: الكمال في ثلاثة: الفقه في الدين، والصبر في النوائب، وحسن تقدير المعيشة.
وكان محمدٌ قوياً شديد الأيد، وله في ذلك أحاديث منها: أن أياه عليه السلام اشترى درعا فاستطالها، فقال: لينقص منها كذا، وعلم عند موضعٍ منها، فقبض محمدٌ بيده اليمنى على ذيلها، وبالأخرى على فضلها، ثم جذبه، فقطعها من الموضع الذي حده أبوه.
وكان عبد الله بن الزبير إذا حدث بذلك غضب واعتراه أفكل، وكان يحسده على قوته.
ابن عباس
قيل لعبد الله بن عباس: ما منع عليا رضي الله عنه أن يبعثك مع عمرو يوم التحكيم، فقال: ما منعه والله إلا حاجز القدر ومحنة الابتلاء، وقصر المدة. أما والله لو وجه بي لجلست في مدارج نفسه، ناقصاً ما أبرم، ومبرماً ما نقص. أطير إذا أسف، وأسف إذا طار، ولكن مضى قدرٌ وبقي أسفٌ، ومع اليوم غدٌ والآخرة خيرٌ لأمير المؤمنين.
قال: أني زيد بن ثابت بدابته، فأخذ ابن عباس بركابه؛ فقال زيد: دعه بالله؛ فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. فقال زيد: أخرج يدك؛ فأخرجها، فقبلها زيدٌ وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا عليه السلام.
وكان يقول: تواعظوا وتناهوا عن معصية ربكم؛ فإن الموعظة تنبيهٌ للقلوب من سنة الغفلة، وشفاءٌ من داء الجهالة، وفكاكٌ من رق ملكة الهوى.
ودخل على معاوية؛ فقال له: ألا أنبئك؟ مات الحسن بن علي، فقال ابن عباس: إذاً لا يدفن في قبرك، ولا يزيد موته في عمرك، وقبله ما فجعنا بخيرٍ منه، فجبر الله وأحسن.
ومن كلامه: ما رضى الناء بشيءٍ من أقسامهم كما رضوا بأوطانهم. وقال له معاوية: أخبرني عن بني هاشم وبني أمية. قال: أنت أعلم بهم قال: أسمت عليك لتخبرني. قال: نحن أفصح وأصبح وأسمح، وأنتم أمكر وأنكر وأغدر.
وقال: من استؤذن عليه فهو ملك.
مر معاوية بقوم من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس؛ فقال: يا بن عباس؛ ما منعك من القيام كما قام أصحابك؟ ما ذاك إلا لموجدة أنى قاتلتكم بصفين، فلا تجد؛ فإن عثمان ابن عمي قتل مظلوما.
قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوماً. قال: إن عمر قتله كافر قال ابن عباس. فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون. قال: فذاك أدحض لحجتك.
قال ابن عباس: أهبط مع آدم المطرقة والميقعة والكلبتان.
وسئل عن عمر، فقال: كان كالطير الحذر، يرى أن له في كل طريقٍ شركاً يأخذه.
قال قلت لعمر: متى يسارع الناس في القرآن يحتقوا، ومتى يحتقوا يختصموا، ومتى يختصموا يختلفوا، ومتى يختلفوا يقتتلوا.
وقال: لأن أمسح على ظهر عابرٍ بالفلاة أحب إلي من أن أمسح على خف.
وقال له رجل: ما تقول في سلطان علينا تغشمونا وتظلمونا؟ قال: إن أتاك أهدل الشفتين منتشر المنخرين فأعطه صدقتك.
وقال: إياك والقبالات؛ فإنها صغارٌ، وفضلها رباً.