FluentPlex

Scattered Pearls

جماعة من الأشراف العلوية

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان المعتصم قد قرر عند المأمون أن العباس يبغضه، فحطه ذلك عنده، فلما ركب المأمون في الليل لقتل ابن عائشة رأى العباس بن الحسين قد ركب مع أهله ومواليه في السلاح، فقال له المأمون: سررت بالمخاض طمعاً في الولاد، فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أكون عليك مع عدو، وما أعلم في بني أبي أحداً لو ملك كان لي مثلك.

قال: فما هذه العدة والعدة؟، قال: اتباعٌ لأمر الله وقوله: " ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه " . قال: أنت المصدق.

فلما قتل ابن عائشة وانصرف، قال له العباس: الله الله يا أمير المؤمنين في الدماء التي لا بقية معها، ولا عقوبة بعدها، والبس رداءً العفو الذي ألبسك الله إياه وجملك به، وأسعدك باستعماله، فإن الملك إذا قتل أغرى بالقتل حتى يصير عادةً من عاداته، ولذة من لذاته، فقال: والله يا أبا الفضل لو سمعت هذا منك قبل قتلي لابن عائشة ما قتلته. ولطفت حاله عند المأمون بعد ذلك. وعزى العباس رجلا، فقال: إني لم أقل شاكاً في عزمك، ولا زائداً في علمك، ولا متهماً لفهمك، ولكنه حق الصديق، وقول الشفيق؛ فاسبق السلوة بالصبر، وتلق الحادثة بالشكر يحسن لك الله الذخر، ويكمل لك الأجر.

قال إسحاق: أتيت العباس مرة فسلمت عليه، ثم تأخرت عنه، فقال لي: أذقتنا، فلما اشتقناك لفظتنا.

وقال له رجل: كم سنك؟ فقال: خلفت الخمسين، وإن التقاتي لطويل إليها.

وسأله المأمون عن رجل، فقال: رأيت له حلماً وأناةً ولم أر سفها ولا عجلة، ووجدت له بياناً وإصابةً، ولم أر لحنا ولا إحالة، يجيء بالحديث على مطاويه. وينشد الشعر على معانيه، ويروي الأخبار المتقنة، ويرمي بالأمثال المحكمة.

قال أبو محمد اليزيدي: كنت أنا والكسائي عند العباس بن الحسين، فجاءه غلامه، فقال: كنت عند فلان وهو يريد أن يموت، فضحكت أنا والكسائي، فقال: مم ضحكتما؟ قلنا: من قول الغلام. وهل يريد الإنسان الموت؟ فقال العباس: قد قال الله عز وجل: " فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض " فهل للجدار إرادةٌ؟ وإنما هذا مكان " يكاد " فنبهنا والله عليها.

دخل أبو دلف العجلى على الرشيد، وهو في طارمة على طنفسة، وعند باب الطارمة شيخٌ على طنفسة مثلها، فقال الرشيد: يا قاسم ما خبر الجبل؟ قال: خراب يبابٌ، اعتوره الأكراد والأعراب. قال: أنت سبب خرابه وفساده، فإن وليتك إياه؟ قال: أعمره وأصلحه. قال بعض من حضر: أو غير ذلك، فقال أبو دلف: وكيف يكون غير ذلك؟ وأمير المؤمنين يزعم أني ملكته فأفسدته وهو علي، أفتراني لا أقدر على إصلاحه وهو معي؟ فقال الشيخ: إن همته لترمي به وراء سنه مرمى بعيداً، وأخلق به أن يزيد فعله على قوله؛فقبل الرشيد وولاه، وأمر أن يخلع عليه، فلما خرج أبو دلف سأل عن الشيخ: فقيل له: هو العباس بن الحسين العلوي، فحمل إليه عشرة آلاف دينارٍ، وشكر فعله فقال له العباس ما أخذت على معروفٍ أجراً قط واضطرب أبو دلف وقال: إن رأيت أن تكمل النعمة عندي، وتتمها على بقبولها، فقال: هل لي عندك، فإذا لزمتني حقوقً لقوم يقصر عنها مالي صككت عليك بما تدفعه عليهم إلى أن أستنفذها، فقنع أبو دلف بذلك، فما زال يصك عليه للناس، حتى أفناها من غير أن يصل إلى العباس درهم منها.

وسأل العباس الفضل بن الربيع حاجة، فقضاها له سريعا كما أراد، فقال له: جزاك الله خيراً، فما في دون ما أتيت به تقصير ولا نقصانٌ، ولا فوقه إحسانٌ ولا رجحانٌ.

ووصف رجلا ثقيلاً، فقال: ما الحمام على الأحرار، وحلول الدين مع الإقتار، وشدة السقم في الأسفار بآلم من لقائه.

وذم أبا عباد - وهو وزير - فقال: الذليل من اعتز بك، والحائن من اعتزى إليك، والخائب من أملك، والسقيم من استشفاك.

وكان ابنه عبد الله شاعراً فصيحاً يشبه بأبيه، ووقف على باب المأمون يوما فنظر إليه الحاجب ثم أطرق، فقال عبد الله لقومٍ معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذرنا لقبلنا. فأما الفترة بعد النظرة، والتوقف بعد التعرف فلا أفهمه. ثم تمثل:

وما عن ضاً كان الحمار مطيتي ... ولكن من يمشي سيرضى بما ركب

وانصرف؛ فبلغ المأمون كلامه فصرف الحاجب، وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account