وروى عن المسيب بن نجبة الفزاري قال: خطبنا علي عليه السلام، فقال: ألا أخبركم بذات نفسي؟ أما الحسن ففتى من الفتيان صاحب جفنةٍ وخوان. ولو قد التفت حلقتا البطان لم يعن عنكم في الحرب حبالة عصفورٍ. وأما عبد الله بن جعفر فصاحب لهوٍ وظل باطلٍ. وأما أنا والحسين فنحن منكم وأنتم منا، ولقد خشيت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، وليس ذاك: ألا أن تكونوا أولى بالحق منهم، ولكن بطاعتهم إمامهم وعصيانكم إمامكم، وإصلاحهم في أرضهم وإفسادكم في أرضكم، واجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم، حتى لا يدعون بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخلوه ظلمهم؛ حتى يقوم الباكيان، باكٍ لدينه وباكٍ لدنياه، وحتى لا تكون نصرة أحدكم منهم إلا كنصرة العبد من سيده، إن شهده أطاعه، وإن غاب عنه سبه، فإن أتاكم الله بعافيةٍ فاقبلوها، وإن ابتليتم فاصبروا؛ فإن العاقبة للمتقين.
ويروى عنه أنه قال: الحرص مقدمة السكون.
وقال في قوله تعالى: " أكلون للسحت " هو الرجل يقضي لأخيه حاجته ثم يقبل هديته.
قال الحارث الأعور: مما رأيت أحداً أحسن من علي عليه السلام، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين؛ مات رجل وخلف ابنتين، وأبوين، وزوجة، فقال: صار ثمنهما تسعا.
هذه الفريضة من أربعة وعشرين سهما، للبنتين الثلثان، ستة عشر سهما، وللأبوين السدسان ثمانية أسهم، وكمل المال وعالت الفريضة واحتيج للمرأة إلى ثمن الأربعة والعشرين سهما، وصار الثمن من أربعة وعشرين تسعا من سبعة وعشرين. هذا معنى قوله.
وخطب فقال: أما بعد؛ فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. فمن تركه رغبةً عنه ألبسه الله الذل، وسم الخسف، وديث بالصغار وقد دوتكم لحرب هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً، وسراً وإعلاناً، وقلت لكم: اغرزوهم من قبل أن يغزوكم؛ فو اللذي نفسي بيده ما غزى قومٌ قط في عقر دارهم إلا ذلوا؛ فتخاذلتم وتواكلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا؛ حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو غامد قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن حسان ورجالاً منهم كثيراً ونساء، والذي نفسي بيده لقد بلغني أن كان يدخل على المرأة المسلمة والمعاهدة، فينزع حجالهما ورعثهما، ثم انصرفوا موفورين لم يكلم أحدٌ منهم كلما. فلو أن ارمءاً مسلماً مات من دون هذا أسفاً ما كان فيه عندي ملوماً؛ بل كان به جديراً. يا عجبا كل العجب من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم! إذا قلت لكم اغزوهم في الشتاء قلتم هذا أوان قر وسر، وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف قلتم: هذه حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الحر عنا ؛ فإذا كنتم من الحرّ والبرد تفرّون، فأنتم واللّه من السيف أفرّ. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا طغام الأحلام، ويا عقول ربّات الحجال، واللّه لقد أفسدتم علىّ رأيى بالعصيان، ولقد ملأتم جوفى غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبى طالب رجل شجاع، ولكن لا رأى له في الحرب. للّه درّهم، ومن ذا يكون أ علم بها منّى أو أشدّ لها مراسا ؟ فواللّه لقد نهضت فيها وبلغت العشرين، ولقد نيّفت اليوم على الستين. ولكن لا أرى لمن لاّ يطاع، لا أرى لمن لاّ يطاع - يقولها ثلاثا.
ومن كلامه رضى اللّه عنه: من لانت كلمته وجبت محبته.
وقال له قائل: أين كان ربّنا قبل أن خلق السموات والأرض ؟ فقال رضى اللّه عنه: " أين " سؤال عن مكان وكان اللّه ولا مكان.
وقال: من أكثر النظر في العواقب لم يتشجّع.
وقال لابنه الحسن رضى اللّه عنه: لا تبدأ بدعاء إلى مبارزة، وإن دعيت إليها فأجب ؛ فإن طالبها باغ والباغي مصروع.
وقال: وما ابن آدم والفخر، وإنّما أوّله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه ولا يدفع حتفه.
جاء الأشعث بن قيس إلى أمير المؤمنين على عليه السلام يتخطّى رقاب الناس، وعلىّ على المنبر ؛ فقال: يا أمير المؤمنين، غلبتنا هذه الحمراء على قربك - يعني العجم - قال: فركض على المنبر برجله، فقال صعصعة بن صوحان: ما لنا ولهذا؟ - يعني الأشعث - ليقولن أمير المؤمنين اليوم في العرب قولاً لا يزال يذكر. فقال رضي الله عنه: من يعذرني من هؤلاء الضياطرة؟ يتمرغ أحدهم على فراشه تمرغ الحمار، ويهجر قومٌ الذكر فيأمرونني أن أطردهم. ما كنت أطردهم فأكون من الجاهلين؛ والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة؛ ليضربنكم على الدين عوداً، كما ضربتموهم عليه بدءاً.