كان مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب، أحد بني قيس بن ثعلبة، وإليه تنسب المسامعة، سيد بكر بن وائل في الإسلام، وهو الذي قال - لعبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم اللات بن ثعلبة، وكان حدثه أمر مسعود بن عمرو من الأزد ولم يعلمه فقال له عبيد الله، وهو أحد فتاك العرب، وقاتل مصعب بن الزبير - : أيكون مثل هذا الحديث ولا تعلمني؟ لقد هممت أن أضرمها عليك نارا، فقال مالك: اسكت أبا مطر، فوالله إنك في كنانتي سهم أنا أوثق به منك، فقال له عبيد الله: أنا في كنانتك! فوالله لو قمت فيها لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها، فقال مالك - وأعجبه - : أكثر الله في العشيرة مثلك، فقال: سألت ربك شططاً.
خطب عبد الملك بن مروان إلى عقيل بن علّفة ابنته على أحد بنيه - وكانت لعقيل إليه حاجات - فقال: أما إذ كنت فاعلاً فجنبني هجناءك.
وحدث الجاحظ قال: أتيت أبا الربيع الغنوي، وكان من أفصح الناس وأبلغهم، ومعي رجل من بني هاشم فناديت: أبو الربيع ها هنا؟ فخرج إلي وهو يقول: خرد إليك رجل كريم، فلما رأى الهاشمي استحيا من الفخر بحضرته فقال: أكرم الناس رديفاً، وأشرفهم حليفا! فتحدث ملياً، ونهض الهاشمي، فقلت: يا أبا الربيع من خير الخلق؟ قال: الناس والله، قلت فمن خير الناس؟ قال: العرب والله، قلت فمن خير العرب؟ قال: مضر والله، قلت: فمن خير مضر؟ قال: قيس والله، قلت: فمن خير قيس؟ قال: يعصر والله، فقلت: فمن خير يعصر؟ قال: غني والله، قلت: فمن خير غني؟ قال: المخاطب لك والله، قلت: فأنت خير الخلق؟ قال: إي والله، قلت: أيسرّك أن تكون ابنة يزيد بن المهلب تحتك؟ قال: لا والله، قلت: ولك ألف دينار، قال: لا والله، قلت: فألفا دينار، قال: لا والله، قلت: ولك الجنة، فأطرق ملياً ثم قال: على ألا تلد مني.
قوله: أكرم الناس رديفاً وأشرفهم حليفا، فإن أبا مرئد الغنوي كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحليف حمزة بن عبد المطلب رحمه الله.
يروى عن الأصمعي أنه رأى رجلاً يختال في أزيرة في يوم قر فقال له: ممن أنت يا مقرور؟ قال: أنا ابن الوحيد، أمشي الخير لي، ويدفئني حسبي.
وقيل لآخر في مثل هذه الحال: أما يوجعك البرد؟ قال: بلى، ولكنني أذكر حسبي فأدفأ.
كان عوف ابن القعقاع بن معبد بن زراة من أتيه الناس وأشدهم وأجفاهم، قال له رجل مرةً: الطريق يا عبد الله، فقال: أعبد الله أنا؟ فكان الحجاج يقول: لو أدركته لقتلته تقرباً إلى الله عز وجلّ.
كان جذيمة الأبرش لا ينادمه أحد تعظماً ويقول: إنما ينادمني الفرقدان ونظن أن قول الشاعر:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً ...
أراد به الفرقدين، وليس كما ذكرته الرواة من حديث مالك وعقيل، فإنهما كان يجوز عليهما الافتراق ولا يجوز ذلك لفرقين.
حكى ابن ثوابة أنه قال لغلامه: اسقني ماء فقال: نعم، إنما تقوا: من يقدر أن يقول: لا، وأمر بصفعه.
ودعا يوماً أكارا وكلمه، فلما فرغ دعا بماء وتمضمض استقذاراً لمخاطبته.
الباب السابع
نوادر في الجود والسخاء ومحاسن الأخلاق
كان هرم بن سنان آلي على نفسه ألا يسلّم عليه زهير إلا أعطاه، فقلّ مال هرم فأبقى عليه زهير، فكان يمر بالنادي، وفيه هرم، فيقول: أنعموا صباحاً ما خلا هرماً وخير القوم تركت.
آتى الحسن بن شهريار الحسن بن سهل فكلّمه في رجل فقال له: العيال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قائمة، وذو العادة لا يرضيه دون عادته، وقد أمرت له بثلاثين ألف درهم، فقال له الحسن بن شهريار: إنما مقدار الرجل الذي سألتك أن يُعطى ألفاً وألفين، فقال: يا حسن، إن لكل شيء زكاة، وزكاة الجاه بذله، فإذا أجرى الله لإنسان على يدك خيراً فلا تعترض فيه.
كان طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري أجود قريش في زمانه، فقالت له امرأته: ما رأيت قوماً الأم من إخوانك، قال لها، لمه وأني قلت؟ قالت: أراهم إذا أيسرت أتوك، وإن أعسرت تركوك، قال: هذا والله من كرمهم، يأتوننا في حال القوة عليهم، ويتركوننا في حال العجز عنهم.
بعث روح بن حاتم بن المهلب إلى رجل بثلاثين ألف درهم، وكتب إليه: قد وجّهت إليك بما لا أقلله تكبراً، ولا أكثره تمنناً، ولا أستثيبك عليه ثناء، ولا أقطع لك به رجاء.