FluentPlex

Scattered Pearls

مواعظ ونكت للزهاد

Original text Public domain

Read with the dictionary

يا عمرو، من أحق بالتسليم ممن لا يجد مهربا من طالبها إلا إليه، ولا معيناً له إلا عوناً إليه؟.

يا عمرو، انظر مما جزعت، وما استنكرت، وما تحاول؟ فإن كان الجزع ردك إلى ثقة من درك الطلبة، وكنت قوياً على رد ما كرهت، فكيف تعجز من الغلبة على ما أحبهت؟ فإن كنت حاولت - مغلوبا - فمن أفنى القرون الأولى قبلك؟.

يا عمرو، إنه من يتناول ثمرة ما لا يكون استقرت في يديه الخيبة. أفمن هذا المعدن ترجو درك الغنيمة؟.

با عمرو، " إن أعظم المصيبة سوء الخلف منها " .

يا عمرو، " إن العلم لا ينال إلا بالتعلم " فمن رأيت تعلم ما لا يعلم، وأدرك ما لا يكون فيمن كان قبلك؟.

يا عمرو، فما غناؤك في طلب من في طلبك أم كيف رجوت رجعة مالك إليك وأنت تساق إليه؟ وما جزعك على الظاعن عنك اليوم وأنت مرتحل في طلبه غداً؟ وما طمعك في رد ما هو كائن بما لا يكون، فأفق فإن المرجع قريب، ولا تمعن فيضر بك العمى، وتنوهك الجهالة، وأنت ذو الحظ الكثير من الدنيا في قسمك، وأخو ذي الملك في قرابتك، وابن الملوك المتبعن في نسبك، قد أتاك الخبر في كل ما قالوا، وأنت غافل، فلا تكونن في الشكر دون الحق عليك.

يا عمرو، إنما ابتلاك بالمصيبة المنعم، وأخذ منك العطية المعطي، وما يريد أكثر، فإن نسيت الصبر فلا تغفل الشكر، وكلا فلا تدع.

يا عمرو، إنه لا أغنى من منعم، ولا أحوج من منعم عليه واحذر من الغفلة استلاب النعم وطول الندامة. واعلم أنه لا أضيع ممن غفل عن نفسه ولا يغفل عنه طالبه.

يا عمرو، إن أخاك قد برز لعظيم صلتك، ولاستكمال كرامتك ولطف بما تراه لموعظتك.

يا عمرو، فهذا يوم ثناؤه عظيم، وبقاء ما فيه بعدنا طويل، وسيحظى به اليوم السعيد، ويتذكر من منافعه اللبيب.

يا عمرو، إنما جمعت منافع هذا اليوم وجنوده لدفع ضر الجهالة عنك، وإنما أوقدت مصابيح الهدى لتيه تحيرك وسهلت سبل الخير لرجاء رجعتك، فلم أر كاليوم ضل مع نوره متحير، ولا أعيا مداويه سقيم.

يا عمرو، ما أصغر المصيبة مع فائدة أهل الغنيمة غدا، وكثر فيه خيبة الخائب.

يا عمرو، إن أبت نفسك إلا علم رأى من جميع التجارب فقد كفيت فاسمع جوابهم: زعم فرسان الحروب وقادة الجنود أنه غلب على مالك غالب آبائك أهل التتويج والملك الكبير، وزعم حفظة الخزائن أنها عوار عند كم أهل البيت، وانها لا تقبل في فكاك الأسارى، وزعم رؤساء الأطباء أن مالكاً هلك بداء معلميهم الذين ماتوا به، ولا دواء لدائهم ذلك، وزعم أهل التجارب والحيلة الكبرى أن صاحب مالك قد شغلهم بأنفسهم عنك، فإن فرغوا أتوك.

يا عمرو، وقد أسرع فيك الداعي، وأعذر فيك الطالب، وانتهى الأمر بك إلى حد الرجاء، ولا أحد أعظم رزية في عقله ممن ضيع اليقين واعطى الأمل قياده.

قال: ثم أقبل المنذر على الملك أبيه النعمان فقال: أيها الملك المنعم، إن أعظم العظة اليوم ما أعطيتها بجمعك إيانا وإذنك لنا في الكلام، وخير الهدية للغائب ما حملتنا، وإنا أيها الملك الرفيع جده - مع معرفتنا بفضلك - لن نرفعك فوق منزلتك، وبحسبك ألا يكون فوقك إلا الخالق، ونعم المخلوق أنت، ترد المدبر إلى حظه وتكف المتتايع عن حمقه، وتدل مبتغي الخير على هيئته، ومثل دوائك شفاء السقيم.

قال: ثم أقبل المنذر على الناس بالموعظة فقال: أيها الناس، إنما البقاء بعد الفناء، وقد خلقنا ولم نك شيئاً ثم نعود، ألا إنما العوارى اليوم، والهبات غدا، وقد رزئنا من قبلنا، ولنا وارثون، قد حان الرحيل عن محل النازل، ألا وقد تقارب تسلب فاحش، أو عطاء زل، فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه، واسلكوا سبل الخير، ولا تستوحشوا فيها لقلة أهلها، واذكروا حسن صحابة الله إياكم.

أيها الناس، إني أعظكم وأبدأ بنفسي، فاستبدلوا العوارى بالهبات، وارضوا بالباقي خلفاً، من الفاني تلفاً، واحتملوا المصائب بالحسبة تستجلبوا بها النعماء واستديموا الكرامة بالشكر تستوجبوا الزياجة، واعرفوا الفضل في البقاء في النعمة، والغنى في السلامة قبل المثلة الفاحشة، أو المثلات السيئة، وقبل انتقال النعم، ودول الأيام، وتصرف الخطوب.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account