قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتة نموت.
قالوا: ليس في النار عذاب أشد على أهلها من علمهم بأنه ليس لكربهم تنفيس، ولا لضيقهم ترفيه، ولا لعذابهم غاية، وليس في الجنة نعيم أبلغ من علمهم بأن ذلك الملك لا يزول.
سمع مطرّف رجلاً يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فأخذ بذراعه وقال: لعلك لا تفعل! من وعد فقد أوجب.
قال رجل من الزهاد: إذا ابتليت أن تدخل مع الناس إلى سلطان فإذا أخذوا في الثناء فخذ في الدعاء.
روي أن عبد الملك قال حين ثقل ورأى غسالاً يلوي ثوباً بيده: وددت أني كنت غسالاً لا أعيش إلا بما أكسب يوماً فيوماً فذكر ذلك لأبي حازم فقال: " الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه " .
كان الربيع بن خشيم إذا قيل له: كيف أصبحت أبا يزيد؟ قال: مذنبين نأكل أرزاقنا وننظر آجالنا.
قال بعض الملوك لبعض الزهاد: اذمم الدنيا، فقال: أيها الملك، هي الآخذة لما تُعطي، الموّرثة بعد ذلك الندم، السالبة ما تكسو، الوارثة بعد ذلك الفضوح، تسد بالأراذل مكان الأفاضل، والعجزة مكان الحزمة، تجد في كل من كل خلفا، وترضى بكل من كل بدلا، تُسكن دار كل قرن قرنا، وتُطعم سؤر كل قوم قوما.
ذكر أنه كان للنعمان بن المنذر إخوة ثلاثة يقال لأحدهم: مالك، وللآخر عمرو، هو محرّق، والثالث علقمة، وكان مالك ذا فضل بيّن، ورأى جزل، فهلك مالك فأعظم ذلك عمرو وكربه - وكان عمرو مرجوّاً عند عامة مملكته لبوائق الدهر، وحوادث الأيام - فلما رأى المنذر بن النعمان بن المنذر ما بعمه عمرو من الوجد على مالك أفظعه ذلك وكربه، وكسف باله وغير حاله، ودخل عليه من ذلك ما كاد أن يكون شبيهاًَ بموت مالك فسأل المنذر بن النعمان أباه أن يجمع له رؤساء أهل مملكته وعلماءهم وخطباءهم وحلماءهم وذوي الشرف منهم، ثم يأذن له في الكلام والقيام في أمر مالك، والتعزية بعمه. فأجابه أبوه النعمان إلى ذلك، وأعجبه ما دعاه إليه، فلما توافت الرجال احتفل النعمان - يعني حفّل المجلس، وحشدهم، وأنزلهم على قدر منازلهم - فلما أخذوا مجالسهم قام المنذر ابن النعمان فثنيت له نمرقة الشرف على منبر الكرامة عن يمين النعمان - وهو كبير المتكلمين في جسيم الأمور - فرفع صوته فقال: يا عمرو، يا ابن ثمرة الرأي ومعدن الملك، إنما الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن.
يا عمرو، إنه لا أضعف من مخلوق، ولا أقوى من خالق، ولا أقوى ممن طلبته في يديه، ولا أعجز ممن هو في يد طالبه.
يا عمرو، إن التفكر نور، والغفلة ظلمة والجهالة ضلالة، وقد ورد الأول، والآخر مسوق متعبد، وفي الأسى عزاء، والسعيد من وعظ بغيره.
يا عمرو، إنه قد جاءك ما لا يرد، وذهب عنك ما ليس براجع، فما الحيلة لبقاء ما سيذهب؟.
يا عمرو، إنما الشيء من مثله، وقد مضت قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد أصله.
يا عمرو، انظر إلى طبقات حالاتك من لدن في صلب أبيك إلى أن بلغت منزلة الشرف، وحد العقل، وغاية الكرامة، فهل قدرت - أو قدروا - على أن ينقلوك أو تنتقل عن طبقة قبل انقضائها، أو بتعجيل نعمة قبل أوان تحيّنها؟ وانظر إلى آبائك الذين كانوا أهل الملك والأخلاق المحمودة، هل وجدوا سبيلا - أو وجدت لهم - إلى بقاء ما أحبّوا أو بقوا بعده؟.
يا عمرو، فلأي أيام الدهر ترتجي؟ أيوم لا يجيء بما في غيره، أو يوم لا يستأخر ما فيه عن أوان مجيئه؟ وانظر إلى الدهر تجده أياماً ثلاثةً: يوماً مضى لا ترجوه، ويوماً بقي لا بد منه، ويوماً يأتي لا تأمنه.
يا عمرو أمس موعظة، واليوم غنيمة، وغداً لا تدري من أهله: فأمس شاهد مقبول شهادته، وحكيم مؤدب، قد فجعك بنفسه، وخلّف في يديك حكمته؛ واليوم صديق مودّع، كان طويل الغيبة، وهو سريع الظعن، أتاك ولم تأته، وقد مضى قبله شاهد عدل، فإن كان ما فيه لك فأتبعه بمثله، واتق اجتماع شهادتهما عليك؛ وغداً يجيء بما فيه.
يا عمرو، إن أكمل الأداة الصبر عند المصائب، واليقين، فأين المهرب مما هو كائن؟ إنما تنقلب في كف الطالب.
يا عمرو، إن أهل هذه الدار سفر لا يحلّون عقد الرحال إلا في غيرها، وإنما يتبلغون فيها بالعواري، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للمُعير!.