FluentPlex

Scattered Pearls

نسخة عهد أردشير بن بابك إلى من يخلفه من بعده

Original text Public domain

Read with the dictionary

واعلموا أن الملك والدّين توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أس الملك وعماده، ثم صار الملك بعد حارس الدين، فلا بد للملك من أسه ولا بد للدين من حارسه، فإن ما لا حارس له ضائع، وإن ما لا أس له مهدوم، وأن رأس ما أخاف عليكم مبادرة السفلة إياكم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه فتحملكم الثقة بقوة الملك على التهاون بهم فتحدث في الدين رياسات مستسرات فيمن قد وترتم وجفوتم وحرمتم وأخفتم وصغّرتم من سفلة الناس والرعية وحشو العامة. ولم يجتمع رئيس في الدين مسر ورئيس في الملك معلن في مملكة واحدة إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك، لأن الدين أس، والمُلك عماد، وصاحب الأس أولى بجميع البنيان من صاحب العماد. وقد مضى قبلنا ملوك كان الملك منهم يتعهد الجملة بالتفتيش، والجماعات بالتفصيل، والفراغ وكانوا بالأشغال، كتعهده جسده بقص فضول الشعر والظفر، وغسل الدرن والغمر ومداواة ما ظهر من الأدواء وما بطن.

وقد كان من أولئك الملوك من صحة ملكه أحب إليه من صحة جسده، وكان بما يخلّفه من الذكر الجميل المحمود أفرح وأبهج منه بما يسمعه بأذنه في حياته، فتتابعت تلك الأملاك بذلك كأنهم ملك واحد، وكأن أرواحهم روح واحدة، يمكّن أولهم لآخرهم، ويصدّق آخرهم أولهم، تجتمع أنباء أسلافهم ومواريث آرائهم وصياغات عقولهم عند الباقي منهم بعدهم، فكأنهم جلوس معهم يحدثونه، ويشاورونه، حتى كان على رأس دارا بن دارا ما كان من غلبة الإسكندر على ما غلب عليه من مُلكنا، فكان إفساده أمرّنا، وتفريقه جماعتنا، وتخريبه عمران مملكتنا أبلغ له فيما أراد من سفك دمائنا، فلما أذن الله في جمع مملكتنا ودولة أحسابنا كان من ابتعاثة إيانا ما كان " بالاعتبار يتّقى العثار " ومن يخلفنا أوجد للاعتبار منا، لما استدبروا من أعاجيب ما مرّ علينا.

اعلموا أن سلطانكم إنما هو على أجساد الرعية، وأنه لا سلطان للملوك على القلوب.

واعلموا أنكم إن غلبتم الناس على ما في أيديهم فلن تغلبوهم على عقولهم.

واعلموا أن العاقل المحروم سال عليكم لسانه، وهو أقطع سيفيه، وإن أشد ما يضر بكم من لسانه ما صرف الحيلة فيه إلى الدين، فكان بالدين يحتج، وللدين فيما يظهر، يغضب فيكون للدين بكاؤه، وإليه دعاؤه، ثم هو أوجد للتابعين والمصدقين والمناصحين والموالين والمؤازرين منكم، لأن بغضة الناس موكلة بالملوك، ومحبتهم ورحمتهم موكلة بالضعفاء والمغلوبين.

وقد كان من قبلنا من الملوك يحتالون لعقول من يحذرون، بتخريبها، فإن العاقل لا تنفعه جودة تجربة إذا صير عقله خرابا، وكانوا يحتالون للطاعنين بالدين على الملوك فيسمونهم بالمبتدعين، فيكون الدين هو الذي يقتلهم ويربح الملوك منهم.

ولا ينبغي للملك أن يعترف للعبّاد والنسّاك والمتبتلين أن يكونوا أولى بالدين ولا أحدب عليه ولا أغضب له منه.

ولا ينبغي للملك أن يدع النسّاك بغير الأمر والنهي لهم في نسكهم ودينهم، فإن خروج النساك وغير النساك من الأمر والنهي عيب على الملوك وعيب على المملكة، وثلمة يستبينها الناس بينة الضرر للملك ولمن بعده.

واعلموا أن تصبر الوالي على غير أخدانه وتقريبه غير وزرائه فتح لأبواب محجوب عنه علمها. وقد قيل: " إذا استوحش الوالي ممن لم يوطن نفسه عليه أطبقت عليه ظلم الجهالة " . وقيل: " إن أخوف ما يكون العامة آمن ما يكون الوزراء " .

اعلموا أن دولتكم تؤتى من مكانين: أحدهما، غلبة بعض الأمم المخالفة لكم، والآخر فساد دينكم، ولن يزال حريمكم من الأمم محروساً ودينكم من غلبة الأديان محفوظاً ما عظّمت فيكم الولاة، وليس تعظيمهم بترك كلامهم، ولا إجلالهم بالتنحي عنهم ولا المحبة لهم بالمحبة لكل ما يحبون، ولكن تعظيمهم تعظيم أديانهم وعقولهم، وإجلالهم إجلال منزلتهم من الله جل وعز، ومحبتهم محبة إصابتهم وحكاية الصواب عنهم.

واعلموا أنه لا سبيل إلى أن يعظّم الوالي إلا بالإصابة في السياسة، ورأس إصابة السياسة أن يفتح الوالي لمن قبله من الرعية بابين: احدهما، باب رقة ورحمة ورأفة وبذل وتحنن وإلطاف ومواتاة ومواساة وبشر وتهال وانبساط وانشراح، والآخر، باب غلظة وخشونة وتعنت وشدة وإمساك ومباعدة وإقصاء، ومخالفة ومنع وقطوب وانقباض ومحقرة إلى أن يبلغ القتل.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account