FluentPlex

Scattered Pearls

نسخة عهد أردشير بن بابك إلى من يخلفه من بعده

Original text Public domain

Read with the dictionary

واعلموا أني لم أسم هذين البابين باب رفق وباب عنف، ولكني سميتهما جميعاً بابي رفق؛ لأن فتح باب المكروه مع باب السرور هو أوشك لإغلاقه حتى لا يبتلى به أحد.

واعلموا أن في الرعية من الأهواء الغالية للرأي، والفجور المستثقل للدين، والسفلة الحنقة على الوجوه بالنفاسة والحسد ما لا بد معه أن يقرن بباب الرأفة باب الغلظة، وبباب الاستبقاء باب القتل.

واعلموا أن الوالي قد يفسد بعض الرعية من حرصه على صلاحها، أو قد يغلظ عليها من شدة رقته لها، وقد يقتل منها من حرصه على حياتها.

واعلموا أن قتالكم الأعداء من الأمم قبل قتالكم الأدب من أنفس رعيتكم ليس بحفظ ولكنه إضاعة، وكيف يجاهد العدو بقلوب مختلفة وأيد متعادية؟ وقد علمتم أن الذي بني عليه الناس وجبلت عليه الطباع حب الحياة وبغض الموت، وإن الحرب تباعد من الحياة، وتدني من الموت، فلا دفع ولا منع ولا صبر ولا محاماة مع هذا إلا بأحد وجهين: إما بنية، والنية ما لا يقدر عليه الوالي عند الناس بعد النية التي تكون في أول الدولة، وإما بحسن الأدب وإصابة السياسة.

واعلموا أن بدء ذهاب الدولة إنما يبدأ من قبل إهمال الرعية بغير أشغال معروفة ولا أعمال معلومة، فإذا فشا الفراغ تولّد منه النظر في الأمور والفكر في الأصول، فإذا نظروا في ذلك نظروا فيه بطبائع مختلفة، فتختلف بهم المذاهب، ويتولد من اختلاف مذاهبهم تعاديهم وتضاغنهم، وهم في ذلك مجتمعون في اختلافهم على بغض الملوك؛ لأن كل صنف منهم إنما يجري إلى فجيعة الملك الذي يملكه، ولكنهم لا يجدون سلماً إلى ذلك أوثق من الدين، ولا أكثر أتباعاً، وأعز امتناعا، ولا أشد على الناس صبراً، ثم يتولد من تعاديهم أن الملك لا يستطيع جمعهم على هوىً واحد، فإذا انفرد ببعضهم فهو عدو لبعض.

ثم يتولد من تعاديهم وعداوتهم للملك كثرتهم، فإن من شأن العامة الاجتماع على الاستثقال للولاة والنفاسة عليهم، لأن في الرعية المحروم والمضروب والمقام عليه وفيه وفي حميمه الحدود، والداخل عليه بعز الملك الذل في نفسه وخاصته، فكل هؤلاء يجري إلى متابعة أعداء الملك، ثم يتولد من كثرتهم أن يجبن الملك على الإقدام عليهم؛ فإن إقدام الملك على جميع الرعية تغرير بملكه ونفسه، ويتولد من جبن الولاة عن تأديب العامة تضييع الثغور التي فيها الأهم من ذوي الدين وذوي البأس؛ لأن الملك إذا سد الثغور بخاصة المناصحين له وخلت به العامة الحاسدة والمعادية، لم يعد بذلك تدريبهم في الحرب وتقويتهم في السلاح، وتعليمهم المكيدة مع البغضة، فهم عند ذلك أقوى عدو وأخفره وأخلفه للظفر، ولا بد من استطراد هذا كله إذا ضيّع أوله.

فمن ألغى منكم الرعية بعدي وهي على حال أقسامها الأربعة - التي هي: أصحاب الدين والحرب والتدبير والخدمة. من ذلك: الأساورة صنف، والعبّاد والنسّاك وسدنة النيران صنف، والكتّاب والمنجمون صنف والأطباء صنف، والزرّاع والمهّان والتجار صنف.

فلا يكونن بإصلاح جسده أشد اهتماماً منه بإحياء تلك الحال، وتفتيش ما يحدث فيها من الدخلات؛ فلا يكونن لانتقاله عن الملك بأجزع منه لانتقال صنف من هذه الأصناف إلى غير مرتبته؛ لأن تنقل الناس عن مراتبهم سريع في نقل الملك عن ملكه، إما إلى خلع وإما إلى قتل؛ فلا يكونن من شيء من هذه الأشياء بأوحش منه من رأس صار ذنباً، وذنب صار رأساً، أو يد مشغولة أُحدثت فراغاً، أو كهيم صار ضريرا، أو لئيم مرج.

فإنه يتولد من تنقل الناس عن حالاتهم أن يلتمس كل امرئ منهم فوق مرتبته، فإذا انتقل عنها أوشك أن يرى أشياء أرفع مما انتقل إليه فيغبط أو ينافس فيه.

وقد علمتم أن من الرعية أقواماً هم أقرب الناس إلى الملوك حالاً، وفي تنقل الناس عن حالاتهم مطمعة للذين يلون الملوك في الملك، ومطمعة للذين دون الذين يلون الملوك في تلك الحال، وهذا لقاح بوار الملك.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account