مشت فتاة في الطريق وإِلى جانبها شيخ فاستعجلت فضرطت فقال الشيخ: سبحان الله. فوقفت وقالت له: سبحت في غل وقيدين، يا بغيض يا مقيت، ممن تسبح؟ قطعت عليك الطريق؟ فتعلقت لك بثوب؟ شتمت لك عرضاً؟ رميتك بفاحشة؟ حبستك عن حاجة؟ امض على حالك لا مصحوباً ولا محفوظاً، فخجل الشيخ حتى كأنه هو الذي ضرط.
ضرط الرجل بحضرة عمر فلما حضرت الصلاة، قال عمر: عزمت على من كانت هذه الريح منه، إلا توضأ. فقال جرير بن عبد الله: لو عزمت علينا جميعاً أن نتوضأ كان أتسر للرجل وأكرم في الفعل. فقال له عمر: جزاك الله خيراً، فلقد كنت سيداً في الجاهلية، سيداً في الإسلام، عزمت عليكم ألا توضأتم، فقاموا جميعاً وسترت على الرجل.
وكان سعيد بن جبير الكاتب من المعروفين بالضراط، وكان يضرط على عيدان القيان ويزعم أن الضراط أحسن من السماع.
وضارط مرة أبا هفان ثلاثاً. قال: اجعلهما نغمة بين شدوين، فغلط أبو هفان وضرط، فقال سعيد: نقضت الشرط، قال: صدقت، زدت على قومي ما ليس فيهم، وكان أبو هفان عبدياً، وعبد قيس تعير بالفسو.
وقال مرة لأبي هفان: والله لئن ضرطت عليك ضرطة لأبلغنك فيها إلى فيه في دفعةٍ. فقال: الله الله يا مولاي، زدني أخرى، وبلغني مكة فإني صرورة.
فضرط عليه ضرطة أصعقت أبا هفان، ورجي عليها بالقرآن ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، وقال أبو هفان: يا سيدي، ردني من الثعلبية فقد كفاني!! وقال المأمون لحاتم الريش وكان ضراطاً: أنت أمير الضراطين، وقال: أنا أوسع منك سلطاناً إذن، لأن الإيمان خاص، والضراط عام.
وقال له مرة: يا حاتم أين بلغ ابنك؟ فقال: أول ما فسا يا أمير المؤمنين! دخل أعرابي إلى الحجاج فجعل يشكو إليه جدب السنة فبينا هو مفرط في ذلك إذ ضرط فقال: أصلح الله الأمير، وهذه أيضاً من بلية هذه السنة. فضحك وأجازه.
وخاصم آخر خصماً له بين يدي بعض الولاة، فغضب أحدهما وأزرى على صاحبه في الكلام، فبينا هو على تلك الحال حتى ضرط، فقال: وهذه أيضاً في لحيتك.
قيل للمنصور وكان مريضاً: إن فلاناً ضرط في مجلس فتنبه فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
كان بالأهواز عاملٌ أصم، وكان يضرط في مجلسه، ويحسب أنه يفسو، فضرط مرة بين أهل عمله وبين يديه كاتب له، فأخذ كاتبه رقعة وكتب فيها: أصلح الله الأمير إن هذا الذي يخرج ضراط يسمع، وهو يرى أنه فساء يخفى، فإن رأى أن يمسك، فعل إن شاء الله. فوقع في حاشيته: إنما استكفيناك أمر خراجنا، ولم نصدرك على ضراطنا، فتغافل كما تغافل القوم، فأنت واحدٌ منهم.
ذكر أن ابن سيابة كان عند كاتب من كتاب المهدي فسأله حاجةً فمنعه، وجر الكاتب دواته فضرط فقال: ذلك تقدير العزيز العليم.
فقال ابن سيابة:
إذا أذنبوا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا ما تجر المقادر
دخل إعرابي على يزيد وهو يتغدى فقال لأصحابه أفرجو لأخيكم فقال الأعرابي: لا حاجةً لي إلى ذلك أن أطنابي والحمد لله طوال، فلما جلس وتهيأ ليأكل، ضرط، فقال له يزيد واستضحك: ما أظن إلا طنباً من أطنابك قد انقطع.
وعطس رجلٌ فضرط وأراد بعض جلسائه أن يقول: يرحمك الله، فقال: ضرطت والله. فقال: صدقت والله.
وحدثني بعض مشايخ الكتاب بالري: لما مات ابن فراشكين صاحب جيش خراسان بالري، قام بالأمر بعده واحد كان يقال له نبال غز قال: فكنا بين يديه يوماً إذا تقدم صاحب البريد، وقال له: أيها الأمير قد نزل ركن الدولة خارجاً من أصفهان طامعاً في الري، قال: وتغير لونه وتحرك وضرط، وأراد أن يستوي قاعداً فضرط ضرطةً أخرى وثلث وربع، فقال له صاحب البريد: الرجل منا بعد على ثمانين فرسخاً. قال: فغضب وقال له: يا فاعل تقرر أني أضرط هو ذا من الفزع؟ أنا إنما أضرط من الغضب.
وضرط بعض جلساء الصاحب رحمه الله في مجلسه وكان معه على سرير، فخجل وأراد أن يدفع عن نفسه، فقال: هو صرير التخت. يعني السرير، فقال الصاحب: بل هو صرير التحت.
وكان يتكلم يوماً في مسألة من الأصوات فضرط بعض الحاضرين فقال الصاحب: وهذا أيضاً من الأصوات، ومر في المسألة يتكلم على عادته فيها.
قيل لبعضهم: لا تضرط، فإن الضراط شؤوم. قال: أحرى أن أدعه في جوفي.
نظر الحسن البصري إلى رجل عليه بزة سرية فقال: ما يصنع هذا؟ قالوا: يضرط فقال: ما طلب الدنيا بما يستحق أحد غير هذا.