وذكر أنه وجد في هذا الطريق جبلاً أسود، فشد به رحله، فلما طلعت عليه الشمس، تقطع وطار وسقط رحله على الطريق، وأن ذلك كان من اجتماع خطا طيف كثيرة أصابها البرد، فادخل كل واحد رأسه في است الآخر، وصارت على هيئة الجبل، فلما مسها حر الشمس طارت!! قال أبو حية: رميت والله ظبيةً فلما نفذ السهم ذكرت بالظبية حبيبة لي، شبهتها بها فشددت السهم حتى قبضت على قذذة فرددته.
وقال الجاحظ: قيل لخباز أنك لتكذب بالحديث قال. وما عليك إذا كان الذي أزيد فيه أحسن منه، فوالله ما ينفعك صدقه ولا يضرك كذبه، وما يدور الأمر إلا على لفظٍ جيد ومعنى حسن، لكنك والله لو أردت ذلك، لتلجلج لسانك، ولذهب كلامك.
قال أبو بكر الشيباني كنت أسيراً مع بني عم لي من بني شيبان، وفينا من موالينا جماعة في أيدي التغالبة، فضربوا أعناق بني عمي وأعناق الموالي، على وهدة من الأرض، فكنت والذي لا إله غيره أرى دم العربي ينماز من دم المولى، حتى أرى بياض الأرض بينهما فإذا كان هجيناً قام فوقه، ولم يعتزل عنه.
الباب الخامس عشر
نوادر المجان
قال بعض المجان: اليمين الكذب كالترس خلف الباب.
شرب الهفني دواء فأسرف عليه حتى أنحله وذهب بجسمه فأتاه إخوانه يعودونه فقال: ما علمت أني من جراحتي اليوم.
دنا جماعة منهم إلى فقاعي فشربوا من عنده فقاعاً ثم قالوا: ليس معنا شيء، فخذ منا رهناً قال: وما الرهن؟ قال: تأخذ من كل واحدٍ منا صفعة، فلما كان بعد أيام، جاءوه وقالوا: خذ ثمن الفقاع ورد علينا الرهون، فجعل يأبى ويمتنع ويقول: لا حاجة لي في الثمن. قالوا: يا أحمق: لك حقك والسلعة لنا رهن عندك، فأخذ ما أعطوه شاء أم أبى، وصفعوا خده بقدر ما كان صفعهم كلهم واحداً واحداً.
تداين من بقال شيئاً بنسيئة، وحلف له أنه لا يجامع امرأته إلى أن يقضي دينه، فكان قد راهن أن يدع امرأته عند البقال.
شرب داود المصاب مع قوم في شهر رمضان ليلاً، وقالوا له في وجه السحر: قم فانظر هل تسمع أذاناً؟ فأبطأ عنهم ساعة ثم رجع فقال: اشربوا فإني لم أسمع الأذان سوى من مكان بعيد.
نظر رجل إلى ابن سيابة يوم جمعة وقد لبس ثيابه فقال: يا أبا إسحق أظنك تريد الجامع قال: لعن الله الظالم والمريد.
كتب بعضهم إلى صديق له: أما بعد، فقد أظلنا هذا العدو يعني شهر رمضان. فكتب إليه في الجواب لكن أهون عليك من شوال.
قيل لبعضهم: من أبغض الناس إليك؟ قال: مشايخ الدرب.
قيل لابن مضاء الرازي: قد كبرت، فلو تبت وحججت كان خيراً لك، قال: ومن أين لي ما أحج به؟ قال: بع بيتك، قال: فإذا رجعت فأين أنزل؟ وإن أقمت وجاورت بمكة أليس الله يقول: يا صعفان، بعت بيتك وجئت تنزل على بيتي؟ وتزوج بامرأة وأمهرها أربعة آلاف درهم، فاستكثر ذلك بعض أصدقائه فقال: الأمر يسهل مع غريم كلما ألفيته نكته.
وكان بسجستان ماجنٌ يعرف بعمرو الخزرجي، استقبله يوماً رجل من أصدقائه وقد شجوه وسالت الدماء على وجهه، فقال لعمرو: ليس تعرفني؟ فقال: ما رأيتك في هذا الزي قط فاعذرني، إني لم أتثبتك.
وكان في بعض السنين قحط وغلاء ووقع بين امرأته وبين جيرةٍ لها خصومة، فضربت وكسرت ثنيتها، فانصرفت إليه باكية وقالت: فعل بي ما هو ذا تراه، وضربت وكسرت لي ثنية فقال: لا تغتمي، ما دام الثغر هذا، تكفيك ثنية واحدة.
ومازحه يوماً إنسان ومد يده إلى أيره وجعل يرطله فقال عمرو: إن أحببت أن تأكله فكله هنا، فإنك إن رددته إلى البيت، غصبتك أم الصبيان عليه.
وسئل عن زوجته وجمالها فقال: هي كباقة نرجس، رأسها أبيض، ووجهها أصفر، ورجلها خضراء.
وقال رجل لصديق له: إن لك شيئين ليس لله مثلها قال: ما ذاك؟ قال: لك ابني عم بغاءين، وليس لله ذلك.
وصار جماعةٌ من جيرانه إليه وسألوه أن يعطيهم شيئاً يصرفونه في ثمن يواري مسجد في جيرته فقال لهم: إن كنتم رأيتموني في المسجد يوماً في الأيام، أو دخلت لحاجة فضلاً عن الصلاة، فكلفوني أن أفرشه طولاً في جهرمية اشتريها لكم.
وقال يوماً الناس لا يعلمون متى يموتون، وأنا أعلم متى أموت. قالوا: وكيف علمت؟ قال: أنا أعلم أنه إذا دخل كانون الثاني وهبت الريح الباردة وليس لي جبة وما أتدثر به، فإني أموت لا محالة.
وقيل له: هل تعرف الدرهم وتنقده؟ فقال: منذ زمان رأيته، فإذا رأيته رجوت أن أعرفه.