قالَ المبِّردُ: قد اسْتَهْوى رأيُ الخوارج جماعةً من الأشرَاف، يُروْى إنَّ المُنْذِرَ بنَ الجارودِ كان يرى رأيهُمْ، وكانَ يزيدُ بن أبي مسلم صاحبُ الحجَّاج يراهُ ونُسِبَ إليه عِكْرَمةُ مَولى ابْن عبَّاسِ ومالكُ بنُ أنس.
وروى أنَّه كان يذكُرَ عثمانَ، وعلياً، وطلحَةَ، والزُّبيرَ فيقولُ: واللهِ ما اقْتَتَلوا إلا على الثريدِ الأعْفَر.
وأما أبُو سَعيد الحسنُ البصريُّ فإنه كان يُنْكرُ الحكُومةَ ولا يرى رأيَهُمْ.
ذكَرُوا أنَّ عبدَ الملك أتوهُ برجل من الخَوارج، فأرادَ قتله، فأدخل على عَبد الملك ابن لهُ صغيرٌ - وهو يْبكي - فقال الخارجيُّ: دَعْهُ بيكِ فإنَّهُ أرْحبُ لِشدتُهِ، وأصَح لدِمَاغِه، وأذْهُبُ لصَوتِهِ، وأحُرى ألا تأْبى عليهِ عينُه إذا حَفزَته طاعَةُ الله فاستدْعى عَبْرَتَها. فأُعجبَ عبدُ الملكِ بقولهِ. وقالَ لهُ مُتعجِّباً: أمَا يشغَلُكُ ما أنْتَ فيه عَن هَذَا؟ فقالَ: ما يَنْبغي أنْ يَشْغَلَ المؤمِنَ عَنْ قول الحقِّ شيءٌ. فأمَرَ عبْدُ المَلكِ بحَبْسِه، وصَفَحَ عَنْ قَتْلِهِ.
كانَ جماعةٌ من الخَوارج تجمعَتْ بعْد حرب النَّهروان فَتأسفُوا علي خِذْلانِهم أصْحابَهُمْ، فقَامَ مِنْهُم قائمٌ يقالُ لهُ المُسْتَوردُ مِن بني سَعْدِ ابن زيدِ مناة، فحمدَ الله، وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى اللهُ عليهِ، ثُمَّ قالَ: إن رسُول اللهِ - صلى الله عليهِ - أتانا بالعَدْل تخْفقُ راياتُه، وتَلْمع مَعَالُمه ويبلِّغُنَا عَنْ رَبِّهِ وينصَحُ لأمتِه حتى قبضَهُ اللهُ مخيراً مختاراً، ثُم قَامَ الصدِّيقُ فَصدّقَ عن نبيهِ، وقاتَل مَنْ ارْتدَّ عَن دِين ربِّهِ، وذكَرَ أن الله عز وجَلَ قَرَنَ الصلاةَ بالزَّكاةِ، فرأى تْعطيلَ إحداهُما طعْناً على الأخرى، لا بل عَلَى جميع منازِلِ الدينِ، ثم قبَضَهُ اللهُ إليه مَوفُوراً. ثم قَامَ الفارُوقُ، ففرق بين الحق والباطل مسوياً بين الناس، ولا مؤثراً لأقاربه، ولا مُحَكماً في دين ربه، وها أنتُم تَعلَمُون ما حَدَثَ: واللهُ يقولُ: " وفضَّل اللهُ المُجاهدين على القاعدين أجرأ عظيماً " وكان المستوردُ كثيرَ الصلاة شديدَ الاجتهاد، وله آدابٌ محفوظةٌ عنْه.
كان يقول: إذا أفُضيت بسرى إلى صديقي فأفشاه لم ألمه لأني كنْت أولى بحفظه.
وكان يقول: لا تفْش إلى أحد سراً. وإنْ كانَ لك مخْلصاً إلا على جهة المشاورة.
وكان يقول: كن أحْرصَ على حفْظ سر صَاحبك منكَ على حَقْن دَمك وكانَ يقول: أقَلُّ ما يدلُّ عَلَيْه عائب النِّاس معْرفته بالعيوب ولا يعيب إلا معيبٌ.
وكان يقول: المال غير باقٍ فآشْتَر به منَ الحمْد ما يبْقى عليكَ.
وكان يقول: بذل المال في حقه استدعاءٌ للمزيد من الجواد.
وكانَ يُكثِرُ أنْ يَقولَ: لو ملكت الدُّنْيا بحَذافيرها. ثم دُعيت إلى أنْ أسْتقيلَ بها خطيئةً علي لفعَلْت.
ولما أتى عبيدُ الله بن زياد بعروةَ بن أدية - وكانَ قد أصيبَ في سَريَّة للعلاء بن سُويْد في استتاره - قال له عبيدُ الله: جهزْتَ أخاكَ علي: فقال: والله لقد كنت به ضَنيناً وكانَ لي عزاً. ولقد أردت له ما أريده لنفسي، فعزَم عزماً فمضَى عليه، وما أحبُّ لنفسي إلا المقامَ وتَرْكَ الخروج. قال له: أفأنتَ على رأيه؟ قال: كنَّا نعبد رباً واحداً. قال أما لأمثلنَّ بكَ. قال فاخترْ لنفسك من القصَاص ما شئْتَ. فأمرَ به فَقطعوا يَديْه ورجْلَيه. ثم قال: كيفَ تَرى؟ قال أفسدتَ علي دنْياي وأفسدتُ عليك آخرتَك.
وفي كتاب لنافع بن الأزرق كتبه إلى قعدَة الخوارج: ولا تطْمَئنُّوا إلى الدنيا فإنها غّرارةٌ، مكَّارة، لذتها نافذةٌ، ونعيمها بائد. حُفت بالشهوات اغترارا، وأظهرتْ حَبْرةً، وأضمرتْ عَبرة، فليس لآكلٍ منها أكلةٌ تسرُّه، ولا شربة تونقه إلا دنا بها درجةً إلى أجله، وتباعدَ بها مسافةً منْ أمله. وإنما جعلها الله دار لمنْ تزوَّد منها إلى النَّعيم المقيم، والعيش السليم، فلَنْ يرضى بها حازمٌ داراً، ولا حكيم بها قراراً، فاتقوا الله، " وتزودوا فإنَّ خَيْرَ الزادِ التَّقْوى " والسلام على من اتبع الهدى.