وبعث عمرُ بنُ هُبيرةَ إلى الحسنِ، وابنِ سيرين، والشْعبي فقدمُوا عليْهِ فقال: إنهُ تأْتيني مِنْ أمير المؤمنين كتبٌ أعرِفُ في تنفيذِها الهلَكةَ فإنْ أطَعتُه عَصيْتُ الله فماذا تَروْن؟ فقال الحَسنُ. يا بنَ سيرين أجبِ الأمير فسَكَتَ ثم قالَ: يَا شعْبيُّ أجبِ الأمير - فتكلم الشعْبي بكلام هَيْبةً وتقيةٌ فقال: يا أبا سَعيد، وما تَقُول؟ فقالَ: أما إذْ سألْتنِي فإنه يَحِقُّ على أنْ أجِيبَكَ، وإن الله مَانُعِكُ مِنْ يزيدَ، ولن يمنعَكَ يزيدُ مِن اللهِ، وإنه يوشكُ أن ينظلَ بكَ مَالكٌ من السماء فيَسْتنزِلكَ مِنْ سريرك إلى سعةِ قَصْركِ ثُم يخرجَكَ من سَعةِ قَصْرِك إلى بَاحةِ دَارِك ثم يخرجكَ من باحة دَارِكَ، إلى ضيق قَبْركِ، ثُم لا يُوسِعُ عليْكَ إلا عملُك. يا بْنَ هُبيرةَ إني أنْهَاكَ عنِ الله أن تعرضَ لهُ فإنما جَعلَ اللهُ السلطانَ ناصراً لعبادِهِ، ودِينِه، فلا ترْكَبُوا عبادَ الله بُسلْطان الله فتُذلوهُم، فإنه لا طاعةَ لمخلُوق في مَعْصيةِ الله.
يا بْن هُبيرةَ إني قَد أدُركتُ ناساً من صَدْرِ هذِه الأمةِ كانوا فيما أحَل الله لهُم أزهدَ مِنكُمْ فيما حرم الله علْيكُمْ، وكانُوا لِحَسنَاتِهِم ألا تُقْبلَ أخُوَفَ مِنكُمْ لسيئاتِكم ألا تُغُفَرَ. وكانُوا والله لثوابِ الآخرِة بِقلوبهم أبصرَ مِنْكُمْ لمتاع الدُّنيا بأعُينكمِ، فكانُوا والله عَن الدنُّيا وهي إليهِمْ مُقْبلةٌ أشد إدباراً مِنْ إقبالكم علْيها وهي عنكم مُدْبرةٌ.
يا عُمَرُ، إني أخوفُكَ مقاماً خَوفكَهُ اللهُ مِنْ نفْسِهِ، فقالَ: " ذلكَ لمن خافَ مقامي وخَافَ وَعيد " . يا عُمرُ. وإن تكُنْ مَعَ يَزيد يكْفك الله بائَقَتَهُ. وإنْ تكُنْ مَعَ يَزيدَ عَلى الله يَكلِكَ إليهِ.
قال فبكَى عُمَرُ ثم قامَ بعَبْرَتِهِ وأرْسَلَ إليهِمْ مِنَ الغَد بإذنهم وجائزتهمْ وأعْطَى الحَسنَ أرْبَعةَ آلاف دِرهم وكُل واحد منهُما ألَفيْنِ ألفَينِ فخرج الشعبي إِلَى المسجد فحدث الناس ساعة ثُمَّ قال: من قدر منكم يَا أيُّها الناسُ أنْ يُؤْثَر اللهَ على خَلْقه فليَفْعَلْ، فإن الأميرَ ابنَ هبيرةَ أرسَلَ إلي وإلى الحسنِ وبنِ سِيرينَ، فسألَنَا عَنْ أمْرِ اللهِ. فوالله ما عَلمَ الحسنُ مِنْه شيئاً جهِلتُهُ ولا علمتُ شيئاً جَهِلهُ ابنُ سِيرينَ، ولكن أردْنا وجَه ابن هبيرةَ فأقصَانا الله، وقصّرنا فقصّر لنا، وأراد الحسنُ وَجْه الله فحباهُ وزاده.
وروى أن الشعْبي قال لابنِ هُبيرة: لا عليكَ أيها لأميرُ. إنما الوالي والدٌ يخطئ ويصيبُ، وما يرد عليك مِنْ رأي أمير المؤمنين فإن استطعت أن ترده فرده وإلا فلا ضيْرَ عليك. فقال: مَا تقُول يا أبا سَعيد؟ فقال الحَسنُ: قال رسول الله صلى الله عَلَيْهِ وسلم: " من استرعاهُ اللهُ رعيةً فلم يُحطْ من ورائِها بالنَّصيحةِ حرمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنة " . وأمَّا رأيُ أمير المؤمنين فإذا وردَ عليْك فاعُرضْهُ عَلَى كتاب الله فإنْ وافقَه فأمْضهِ، وإنْ خالفهُ فأرْددهُ، فإنَّ الله يمنعك مِنْ يزيدَ من الله ولن يمنعك يزيد من الله. ثم أقْبَل على الشعبي فقال: ما لك ويْلك يا شعُبيُّ!! يقولُ الناس: الشعبي فقيهُ أهُله الكُوفةِ تدْخُلُ عَلى جَبَّار مِن الجَبابرَةِ فتُزيِّنُ له المعصية. فقال: واللهِ يا أبا سَعيد لقد قُلْتُ وأنا أعُلم ما فيه. قال: ذاك أؤكُد للُحجِةَّ عَليك وَأبْعد لك مِن العذر.
وقال الحسنُ: لا دين إلا بمروءة.
وشتمَهُ رجلٌ وأربى عليْهِ. فقال لهُ الحسنُ: أمَّا أنْتَ فَمَا أبْقيْتَ شيئاً وما يَعْلَم اللهُ أكثر.
ودَخَلَ عليْه فَرْقد وعليه صٌوفً وعَلَى الحَسن مُطْرف خَزٍّ، فجعَلَ ينظُر إليْه، فقَال الحسنُ: ما تَنْظرُ؟ على ثيابُ أهْل الجنة، وعليك ثيابُ أهْل النَّار، وإنَّ أحَدهُمْ جَعَلَ زُهْدهُ في ثيابِه، وكِبرَهُ في صدرْه، فَلَهُواَ أَشدُّ عجَباً بصُوفِه مِنْ صَاحب المطرفِ بمْطرَفِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: ذكَر اللهُ الثِّقَلَ في القرآن فقال عزَّ وجَلَّ: " فإذا طِعمتُمْ فانتشِرُوا " وقال: حَسْبُك مِنْ شرفِ الفَقْر أنَّكَ لا تَرىَ أحداً يَعْصِي الله ليَفتقِرَ.
وقال: مَا أحْسَنَ الرُّجُلَ نَاطِقاً عالماً، ومسْتَمعاً وَاعياً، وخَائِفاً عَامِلاً.