وابنَ أدمَ: طأْ بقدمكَ الأرْضَ فإنها بعد قليل قبرُكَ واعْلم أنكَ لم تزَلْ في هَدْم عمرك مذُ سقطتَ من بطن أمك. رحِم الله عبداً نظر ففكر، وفكر فاعتبرَ، واعتبر فأبصَر، وأبصرَ فصبرَ، فلقدْ أبْصَرَ أقوامٌ فلمْ يصبرُوا فذهبَ الجزعُ بقلوبهم، ولم يُدْركُوا ما طَلَبُوا، ولم يَرْجعُوا إلى ما فارقُوا يا بنَ آدَمَ اذكر قولهُ " وكلُ إنُسان ألزَمناهُ طائِرهُ في عُنقُهِ ونُخرجُ له يومَ القيامة كتاباً يلُقَاهُ منْشوراً. اقُرَأ كتابكَ كفى بنفْسِكَ اليومِ عليكَ حسبياً " ابن آدمَ عَدَل عليك من جعلكَ حسيبَ نفسكَ. خُذُوا مِن الدُّنيا ما صَفَا، وذرُوا ما كدر. فليْس الصفْوُ ما عادَ كَدراً، ولا الكَدر ما عادَ صَفَاء. دَعُوا ما يُريُبكُمْ إلا مالاَ يُريبكُمْ. ظَهَر الجفاءُ، وقلتِ العُلَماء، وعَفَتِ السُّنةُ وشاعَت البدْعةُ. لَقدْ صَحبتُ أقواماً صُحْبتَهُم قرةٌ العْين وجلاءُ الصدْر، ولقد رأيتُ أقْواماً كانُوا مِنْ حَسناتهم أنْ تُرَد عليهم أشفقَ منكُم من سيئاتكم أن تُعذبُوا عليها، وكانُوا فيما أحَل اللهُ لهم مِن الدنْيا أزْهدَ مِنْكُم فيما حَرمَ عليْكُم مِنْها أسْمَعُ حسيساً ولا أرى أنيساً. ذَهبَ الناسُ، وبقيتُ في النِّسْنَاس، لو تكاشَفْتُم ما تَدافَنْتُمْ. تَهاديْتُم الأطباق، ولم تهادَوْا النصائح.
قال عمرُ بنُ الخطاب: رحمَ اللهُ مَنْ أهدى إليْنا مَساويَنَا. أعِدوا الجوَابَ فإنكُم مسئُولُون. المؤمن من لا يأخذ دينهُ عن رأيه، ولكنه يأخذُهُ من قبَل ربه، وإن هذا الحق قد أجْهدَ أهْلهُ، وما يَصْبُر عليْه إلا مَنْ عرفَ فضلهُ، ورجا عاقبتَهُ، فمن حمد الدنيا ذم الآخرة، وليس بكرهُ لقاءَ الله إلا مقيمٌ على سخطه. بابن آدَمَ إن الإيمانَ ليس بالتحلي ولا التمني، ولكنهُ ما وقَر في القلْب، وصدقتْهُ الأعمالُ.
وكانَ إذا قرأ " ألْهَكُمُ التكاثُرُ " قالَ: عم ألهاكم؟ عن نَار الخُلود، وجنة لا تبيد. هذا والله فضَحَ القَوْمَ، وهتك السترْ، وأبدي العورةَ، تُنْفِقُ مثل دينك في شهوتكَ سرفاً، وتمنع في حق الله درهماً! ستعلَم يالُكَع!!.
الناسُ ثلاثةٌ: مؤمنٌ، وكافرٌ، ومنافقٌ: فأما المؤمنُ فقدْ ألجَمهُ الخوفُ وقومهُ ذكرُ العَرْض. وأما الكافرُ فقد قمعهُ السيفُ، وشردَهُ الخَوفُ، وأذعَنَ بالجزْيةِ، وأسْمَح بالضريبة. وأما المنافقُ ففي الحُجراتِ والطرقَات، ويُسروُّن غَيرَ ما يُعْملُون، ويُضْمُرونَ غَيْرَ ما يُظْهرُونَ، فاعُتبرُوا إنْكارَهُم ربهُم بأعْمَالهمْ الخَبيثَةِ. ويْلَكَ! قَد قَتَلْتَ وَليَّهُ، ثُم تَتَمَنى عليهِ جنتهُ! ابنَ آدمَ. كيف تكونُ مُسْلماً - ولم يسْلَمْ مِنْكَ جارُك؟ وكيفَ تكُونَ مؤمناً - ولمْ يأمنْك الناسُ.
وكانَ يقولُ: رحِمَ اللهُ أمرأً اكْتَسَب طيِّباً، وأنْفَقَ قصْداً، وقَدم فضْلاً. وجِّهُوا هذِهِ الفضولَ حيثُ وجهَها اللهُ، وضَعُوهَا حيثُ أمَر اللهُ، فإن مَنْ كانَ قَبْلكُمْ كانُوا يأْخُذُون مِن الدُّنْيا بُلْغَتَهُمْ، ويْؤثرون بالفَضْل ألا إن هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها فلا والله ما وجدَ ذُو لُب فِيَها فرحاً، وإياكُم وهذه السُّبُلَ المُتفرِّقة التي جماعُها الضلالةُ وميعْادُها النارُ.
ابنَ أدَم: إنْ كانَ لا يُغْنيكَ مَا يكُفيكَ فليْسَ هَاهُنَا شيءٌ يُغْنيكَ، وإنْ كانَ يُغْنيكَ ما يَكفيكَ فالُقليلُ مِنَ الدُّنْيا يَكفيكَ.
ابْنَ أدَمَ: لا تَعْملْ شيْئاً مِن الحقِّ ريَاءً ولا تَتْركُهُ حَيَاءً.
وكانَ إذَا ذُكرَ الحجاجُ قال: يتْلُوا كتابَ الله على لخْم وجذام ويَعظُ عظةَ الأزَارقِة، ويَبْطِشُ بَطْش الجبارين.