وقالَ: يا بْنَ آدَمَ لا تُجاهِدِ الطلب جهادَ الغَالِب، ولا تَتَّكلْ علَى القَدَر اتكالَ المُسْتسْلم، فإنَّ ابتغاءَ الفضل من الشرةِ، والإجُمالَ في الطَّلب مِنْ العِفَّةِ، وليْسَتِ العِفَّةُ بدافعة رزْقاً، ولا الحِرصُ بجالب فضْلاً، وإنَّ مِن الحِرصُ اكتسابَ الإثْم.
وقَالَ: اشْكُرْ لِمنْ أنُعَمَ عليكَ، وأنعِمْ على مَنْ شَكَر لَكَ، فإنَّهُ لا زَوَالَ للنعم إذا شَكَرْتَهَا، ولا إدَامةً إذا كَفَرْتَهَا، والشَّكُر زَيادةٌ في النِّعم، وأمَانٌ من الغِيرَ.
وقالَ: إنَّ الله تباركَ وتعالى لمْ يقْصُصْ عليْنا ذُنُوبَ الأنبياءِ عليْهم السلامُ تعييراً لهُمْ، إلا إزْرَاءً بهمْ، ولكنَّهُ قَصَّها عليْنَا كليلا نَيْأًس من التوبة.
وقال: مثلُ المنافِق مَثلُ الدرهم القسي ينفُق في الناس ما لمْ يُعرفُ، فإذا عُرفِ كسدَ.
وقيل لهُ: أيحسد المؤمنُ أخاهُ؟ قال: لا أبَالَك؟ إنِستَ إخُوَةَ يُوسف عليْهِ السلامُ.
وقالَ: أوْعَد عمُر فَعوفي، وأوْعَد زيادٌ فابْتلُي.
عادَ الحسنُ عبد الله بن الأهْتَم في مرضِهِ الذي ماتَ فيه، فأقْبلَ عبدْ الله بضْربُ ببَصرِه إلى صُنْدوق في جَانبِ البيْتِ، ثم قالَ للحَسن، يا أبا سعيد: ما تقُولُ في ماِئة ألف من هذا الصُّندوقِ لم يؤد منها زكاةٌ، ولمْ يُوصَلْ بِها رحمٌ؟ فقال الحسن ثكلتك أمك فلم أعددتها قال أعددتها لورعة الزمان ومكاثرةِ الإخْوانِ، وجَفْوةِ السُّلطانِ، ثم مَاتَ فحضَر الحسنُ جنازتهُ فلما دفِنَ ضَربَ بإحْدى يديهِ على الأخرى، ثم قَالَ: إنْ هَذَا أتَاهُ شيْطانُهُ، يخذرهُ روية زمانه، وجفوةَ سلْطانه، ومكَاثُرة إخْوانِهِ فيما اسْتودَعَهُ اللهُ إيَّاهُ، ثُمَّ خرجَ منْه حَريباً سليباً لم يؤدِّ مِنْها زكاة، ولمْ يصل منها رحِماً. ثم التفَتَ فَقالَ: أيُّها الوارِثُ كلْ هنيئاً، فقَد أتاكَ هذا المالُ حلالً، فلا يكُنْ عَلْيكَ وَبَالاً. أتاك مِمنْ كَانَ له جَمُوعاً مَنُوعاً، يلجّجُ فِيه لُججَ البحار، ومفاوز القفار. مِنْ باطل جَمعَهُ ومِنْ حق منَعهُ، لم ينْتفع بهِ. فِي حياته، وضرهُ بعد وفاتِه، وجمعَهُ فأوعَاهُ، وشدَّه فأوْكَاهُ، إنَّ يومَ القيامة ليومٌ ذُو حَسرات، وإنَّ أعْظَامَ الحسَرات أنْ تَرى مالكَ في ميزانِ غَيْركَ ذَاكَ رجلٌ أتاهُ اللهُ مالاً حلالاً فبَخلَ أن يُنْفقَهُ في طاعةِ اللهِ فورثَهُ اللهُ غَيْرَه. فأنفقَهُ في طاعةِ الله. فيا لَهَا حسرةً لا تُقَالُ، ورحمةً لا تُنَال، فإنا لله وإنَّا إليه راجعُون.
وقال: ابنَ آدم: بعْ دُنْياكَ بآخِرتِك تربَحْهُما جميعاً، ولا تَبعْ آخرتكَ بدنْياك فتخسرهما جميعاً.
يا بن آدم: وإذا رأيْت النَّاس في الخير فنافسُهم فيهِ، وإذا رأيتَ الناس في الشرِّ فلا تغبطهم الثواء قليل ها هنا والبقاء طويل هناك أمتكم أخِر الأُمم وأنتُمْ آخِر أمّتِكُمْ، وقدْ يسرِعُ بخياركُمْ فماذا تنتظُرون؟ المعاينة: فكأنْ قَد. هيْهاتَ هيهاتَ ذهبت الدنيا لحالِ بالها، وبقيتِ الأعمالُ قَلائدَ في أعُناقِ بني آدم، فيا لها موعظةً لو وافقَتْ قبولاً! إنهُ والله لا أمة بعد أمتكُم، ولا نبي بعد نبيكم، ولا كتابَ بعدَ كتابكم. أنْتُم تسوقُونَ الناسَ والساعةُ تسُوقُكُمْ، وإنما ينُتظرُ بأولكمْ أن يَلْحق أخِركم. مَنْ رأى محمداً صلى الله عليه فقد رآهُ غَادياً رائِحاً، لم يَضَعْ لَبنةً على لبنة ولا قصَبةً عَلَى قصبة رفع لَهُ علم فشمر إِلَيْهِ فالوحاء العطاء والنجاء علام تعرجون. أتيتُهم ورب الكعبةِ أسرع بخياركم وأنتُم كل يوم ترذُلُون. فما تَنْظرون؟؟ إن اللهَ بعثَ محمداً صلى الله عليه عَلىَ علم مِنْهُ، واختارَهُ لنفْسِهِ، وبعثَهُ برسالته، وأنْزَالَ عليهِ كتابهُ، وكانَ خَيرتَهُ من خَلقِهِ، ورسولهُ إلى عباده، وثُم وضَعَهُ من الدّنْيا موضِعاً ينظُرُ إليْه أهلُ الأرْض، وأتَاهُ مِنْها قوتاً وبُلْغةً ثم قَالَ: " لقد كان لكم في رسُول اللهِ أسوةٌ حسنةٌ " فرغب قومٌ عَنْ عَيشهِ، وسَخطوا ما رضي لهُ ربهُ، فأبعدَهُمُ اللهُ واسْحقَهُم.