وشكا إليه رجلٌ ضِيق المعاش، فقال: ويحَك!! أهاهُنا ضيقٌ أوْ سعةٌ إنَّما الضيقُ والسَّعةُ أمامك.
وقال: لوْلا قِصَر هِمَم الناس ما قامتْ الدُّنيا.
وقال: يا بْن آدَم: إنما أنْت عَدَدْ أيامك إذا مضى يومٌ مضى بعْضُك وتذاكُروا عنْدهُ أمْرَ الصَّحابةِ. قال الحسنُ: رحمهُم الله، شهدُوا وغِبنْا وعَلموا وجَهلْنا، وحفِظْوا ونسينا. فما أجْمعُوا عليْه اتبْعَناهُ، وما اختلفُوا فيه وقفناه.
وقال: حَقُّ الوَالِد أعظمُ وبر والوَالدة ألزمُ.
وقال: عاشر أهْلك بأحسن أخْلاقك، فإنَّ الثَّواءَ فيهم قليلٌ.
وقال: السُّؤالُ نصفُ العِلْم، ومُدَاراةُ الناس نصفُ العَقْل، والقصدُ في المعيشة نصفُ المعيشة. وما عال مُقْتصدٌ.
وقال: خف الله خوفاً أنَّك لو أتيتهُ بحَسناتِ أهْل الأرض لم يقبلْها منْك وأرْجُ الله رجاءً ترى أنَّك إنْ أتيتهُ بسيِّئاتِ أهْل الأرض غفرها لك.
وقال: مَا استْودَع اللهُ رجلاً عقْلاً إلا اسْتنْقذهُ به يوماً ما.
وقال: المؤمنُ من لا يَحِيفُ على مَنْ يُبغْض، ولا يأْثُم فيمَنْ يحب.
ودخل إليْهِ أمْردُ حَسنُ الوجْهِ، فالتفت إلى أصْحابه، فقال: لقد ذكَّرني هذا الفتى الحُور العِين.
ووُلِدَ لهُ غلامٌ فقال لهُ بعضُ جُلسَائِه: بارك الله لك في هِبَتِه، وزادَك في نعْمتِهِ. فقال الحسنُ: الحمدُ للهِ على كلِّ حَسنة، ونسْأَلهُ الزيادَة مِنْ كلِّ نعْمة، ولا مرْحباً بمَنْ كُنْتُ مُقِلاً أنْصبَني، وإنْ كُنْتُ عنيّاً أذْهلني لا أْرضى بسعْي له سَعْياً، ولا بكدِّي عليه في الحياة كدَّاً، حتى أشْفِق عَلْيهِ بعد وفاتي من الفاقةِ، وأنا في حَال لا يصلُ إلى مِنْ همةً حُزنٌ، ولا مِن فرَحه سُرُورٌ.
وقال: عِزُّ الشَّريف أدبُهُ، وعزُّ المؤمِن استِغْناؤه عن الناس.
وقال: العلمُ في الصغر كالنَّقْش على الحجَر، وفي الكبرَ كالرِّقُم على الماءِ.
وقال: ما أنْعَمَ اللَّهُ على عبد نعُمةً إلا وَعَليِهُ فيها تبعةٌ إلا سُليمْان فإنَّ الله - قال: " هذا عطاؤنا فأمننُ أو أمسكْ بغير حساب.
وقال: لا أبالك، إنْ لم تكُنْ حليماً فتحلَّمْ فإنَّه قلَّ رجلٌ يتشبَّهُ بقوم إلا أوشك أنْ يكُون مِنهُمْ.
وقال: لا تشترِين عَداوَة رجل بمودَةِ ألفِ رجُل.
وقيل أهلك فلانٌ فجْأةً. فقال: لوْ لمْ يهْلِكْ فجأةً لمرض فجْأةً.
وقال: مَنْ زهِدَ في الدُّنْيا ملكها، ومَن رغِب فيها عبدَها.
وكان يقولُ: الحُريصُ الجاهِدُ، والقانعُ الزِّاهدُ كِلاهُمَا مُسْتْوفٍ أكُلهُ عز فُنقص شيئاً قُدرَّ لهُ، فعَلام التَّهافُتُ في النَّار؟.
وسَمع رجُلاً يقُولُ: الشَّحيحُ أعْذر مِن الظَّالِم فقال: والله إنَّ رجُلين أعْذرُهما الشَّحيحُ لرَجُلاَ سوءٍ. وقال: إنَّ الله تفرَّدَ بالكمالِ ولمْ يُعَرِّ أحَداً من النُّقصانِ.
قال له رجلٌ: يا أبا سَعيد، ما تقُولُ في الغناء؟ قال: نِعْم الشيءُ الغني تصلُ به الرَّحِمَ، وتفُكُّ بهِ العاني، وتُنفِّسُ به عن المكُروب.
قالَ: لستُ عنْ هَذَا أسْأَلُكَ، إنما أسْأَلُكَ عَن الغنِاء قَالَ يوماً هو أتعرفُ منْهُ شيئاً؟ قالَ: نعَمْ: قالَ: فهاتِهِ. فانْدَفَع يُغني، ويَلْوي شِدقَيْهِ، ومِنخَريْهِ، ويكسِرُ عيْنيْهِ: قَالَ: فَبُهِتَ الحسَنُ، وجَعَل يعْزُبُ عنهُ بعضُ عَقْله حتى فَعَلَ كَمَا فَعَلْ الرَّجلُ يحركِ عَيْنيهِ، وكَسْر حاجبْيهِ، ثم قَالَ لما تَنبَّهَ مِنْ سِنَتِه: أمسكْ يا هَذا، قَبَّح اللهُ هَذَا. مَا كْنتُ إلا في حُلْم.
قالُوا: وَلي الحَسنُ القضَاء فَمَا حُمِدَ. يريدُ أنَّه لَوْ حُمِدَ إنْسانٌ فِي ولاية أوْ فضاء لحُمِدَ الحسَنُ.
وقال: يا بُنَ أدَمَ تعفَّفْ عنَ مَحارم الله تكُن عابداً، وارْضَ بما قَسَم اللهُ لكَ مِن الرزق تكُنْ غنياً. صَاحب الناسَ بما تُحبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بهِ تكُنْ عَدْلاً، وإيَّاكَ وكثرةَ الضَّحكِ فإنَّه يُميتُ القَلْبَ. لقَدْ كانَ قَبلَكَ أقْوامٌ جَمَعُوا كَثيراً، وأمَّلوا بَعيداً، وبَنَوْا شديداً، فأصْبحَ جمْعُهم بُوراً، ومَسَاكنهُم قُبوراً، وأمَلُهْم غُرُوراً.