ونظرَ إلى الناس فِي مصلى البصرة يضحكُون، ويلعبون فِي يوم عيد، فقال: إن الله - عزّ وجلّ - جعلَ الصوم مضماراً لعباده ليستبقُوا إلى طاعته، ولعمْري لو كُشف الغطاءُ لشُغل محْسنٌ بإحسانه، ومسيءٌ بإسَاءته عن تجْديد ثوم، أو ترطيل شعر: وكان يقول: اجعل الدُّنيا كالقنطرة تجوزُ عَلَيْهَا ولا تعمرها وقال تلقى أحدهُم أبيْض بضا يملخُ فِي الباطل مَلخاً، وينفض مذروْيه، ويضربُ أصدريه، يقولُ هأنذا فاعرفُوني قَدْ عرفناك، فمَقتك اللهُ ومقتك الصالحُون.
وقال: نِعَمْ اللهِ أكثر من أن تُشكرَ إلا مَا أعان عَلَيْهِ. وذُنوب ابن آدم أكثر من أن يسْلم منها إلا ما عفا عنه وَكَانَ يقولُ ليسَ العجبُ ممن عطب كَيْفَ عطب؟ إنما العجبُ ممن نجا كَيْفَ نجا؟ وكان يقولُ: حادثُوا هَذِهِ القُلُوب فإنها سريعةُ الدُّثُور، واقدَعُوا هَذِهِ الأنفس فإنها طلعةٌ، فإنكم إلا تقدعُوها تنزع بكُم إلى شرِّ غاية.
وقال لمطرِّف بن عبد الله بن الشخير: يَا مطرَفُ، عظ أصحابك. فقال مطرِّفُ: إني أخافُ أن أقولَ مَالا أفعلُ. فقال الحسنُ: يرحمك الله وأيُّنا يفعلُ مَا يقُولُ؟ يود الشَّيطانُ أنه ظفِر بهذهِ منكم، فلمْ يأْمرْ أحدٌ بمعروف، وَلَمْ ينه عن منكر.
وكان يقولُ: مَا حَاجةُ هؤلاء، السلطان، إلى الشرطِ. فلما ولي القضاءَ، كثُر عَلَيْهِ الناس فقال: لا بُدَّ للِنَّاسِ مِن وزعَةٍ.
وكان يقُولُ: لِسَانُ العاقِل مِن وراءِ قلبهِ فإن عرض لَهُ القولُ نظرَ فإن كَانَ لهُ أن يقول قال، وإنْ كَانَ عليْه القولُ أمسْك، ولسانُ الأحمق أمام قلْبه فإذا عرَض لهُ القولُ قال عليهِ أوْ لهُ.
وكان الحسنُ ينُكر الحكُومة، وكان يذكر عُثمان فيترحم عليْه، ويلَعنُ قتلتهُ، ويقول: لو لم نلعْنهُم للَعُنَّا. ثم يذكُر علياً - عليه السلام - فيقول: لمْ يزلْ أمير المؤمنين علي رحمهُ الله - يتعرفُ النصر، ويساعدهُ الظفر حتى حكّم. ولمَ تُحكِّم والحقُّ معك؟ ألا تمضي قدُماً - لا أباك - وأنْت على الحقِّ.؟؟ قال المبِّرد: قوله: لا أبالك كلمةُ فيها جفاءُ. والعربُ تستعمُلها عند الحثِّ على أخْذ الحّقِّ والإغْراءِ.
وذكر الخوارج: فقال: دعاهم إلى دين الله فجعلُوا أصابَعْهم في آذانهم وأصرُّوا واستكبروا استكباراً، فسار إليهم أبوُ الحسن فطحنهُم.
وقال: لو لم يُصب ابنُ آدم الصِّحة والسَّلامة لأوشكا أن يرداه إلى أرْذل العمُر فحدِّث بذلك محَّمدُ بن جعفر فأعجَبه، وقال: سبحان الله ما أعجَب كلام العرب وأشبه بعضه ببعض؟؟ والله لكان النَّمر بنْ توْلب، سمع هذا. فقال:
يُسر الفتى طولُ السَّلامة جاهداً ... فكيف ترى طول السَّلامة يفْعلُ؟
وقال حميد بن ثور وحسْبُك داءً أنْ تصحَّ وتسْلما.
وكان يدعُو ويقُولُ: اللَّهُم أعْطنا قوةً في عبادتك، وبصراً في كتابك، وفهْماً في حكمك، وأتنا كِفْلين مِنْ رحْمتِك. بيِّض وجُوْهنا بنُورك، واجْعلْ راحتنا في لِقائِك، واجعلْ رغبتنا فيما عنْدَك مِن الخير. اللهمَّ إننَّا نعُوذُ بك منْ العَجز والكسل، والهرم، والجُبْن، البُخل اللهم إنَّا نعوذُ بك مِنْ قُلُوب لا تخشعُ، وأنْفُس لا تشبعُ، اللَّهُم إنَّا نُعِيذ بك أنْفسَنا وأهلينا وذرارينا من الشيطان الرَّجيم.
وقال: إنَّما تعظُ مُسترْشداً ليفهم، أو جاهلاً ليتعلم، فأمَّا منْ وضع سيفه وسوطهُ: أحذرني فما لك ولهُ؟ وقال: إنَّ قوماً لسُوا هذه المطارف العتاق، والعمائِمَ الرِّقاق، وأوْسعُوا دُورهم، وضيَّقُوا قبورهُم، وأسْمنُواً دواتهم، وأهزلُوا ديِنهُم، طعام أحدهمْ غصْب، وخادِمُه سُخره، يتكئ على شمالهِ، ويأْكل من غير مالهِ، حتى إذا أدركْتهُ الكظَّةُ، قال: هلمي يا جَاريةُ. هاضُوماً. ويلك!! وهل تحطم إلا دينك؟.. أين مساكينك؟ أيْن يتامالك؟ أيْن ما أمَرك اللهُ به أين؟ أين؟؟.
ورأى رجلاً يمشي مشيةً منْكرةً. قال: يخْلجُ في مشْيِه خلجان المجنُون. لله في كلِّ عُضْو منهُ لقمةٌ، وللشَّيطْان لعبةٌ.
كان أبو الحسن اسمُه يسارٌ، واسُم أمِّه خيرةُ، مولاةٌ لأمِّ سلمة أمِّ المؤمنين، وكانت خيرةُ ربما غابتْ فيبْكي الحسنُ فتعطيه أمُّ سلمة ثدْيها تُعلِّلُه بهِ، وإلى أن تجيءَ أمهُّ فدرَّ عليه ثديُها. فيرون أن تكل الحكمة والفصاحة، مِنْ برَكةِ ذلك. ونشأَ الحسنُ بوَادي القُرىِ.