دعا المنصورُ ابن أبي ليلى، فأَرادَهُ على القضاء، فأبى، فتوعّده إن لم يفعْل، فأبى أن يفعل، ثم إنَّ غدَاء المنصور حضرَ، فأتى فيما أتى بصحفة فيها مثالُ رأس. فقال لابن أبي ليلى: خُذ أيها الرجلُ مِن هذا. قال ابنُ أبي ليلى: فجعلتُ أضرب بيدي إلى الشيء، فإذا وضعتُه في فَمي سال، لا أحتاجُ إلى أن أمضغهُ. فلما فَرغ الرجل جعل يلحسُ الصحفةَ. فقال لي: يا محمدُ. أتدري ما كنت تأكُل؟ قلتُ: لا - والله - يا أمير المؤمنين. قال: هذا مخُّ النِّينان معقودٌ بالسكَّر الطَّبَرزَذ. وتدري بكم تقوَّم هذه الصَّحفةُ علينا؟ قلت: لا، يا أمير المؤمنين. فقال: تقومُّ بثلاث مائة وبضعةَ عشر. أتدري: لِمَ ألحسُها؟ هذه صفحةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنا أطلبُ البَركةَ بذلك. فلما خرج ابنُ ليلى من عنده رفعَ رأسَه إلى الربيع. فقال: لقد أكل الشَّيخ عندما أكلةً لا يفلِحُ بعدها أبداً.
فلما كان عَشى ذلك اليوم راح ابنُ أبي ليلَى إلى المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين، فكرتُ فيما عرضت علي، فرأيتُ أنه لا يسَعُني خِلافُك. فولاه القضاءَ. ثم قال للربيع: كيف رأيتَ حَدسي؟ روى عن العباس بن محمد أنَّه قال: لمَّا أرادَ المنصورُ شريكَ بنَ عبد الله على القضاءِ قالَ: أريد " ُ أن تكلِّم أميرَ المؤمنين ليُعفيَني. فقلت له: إنَّ أبا جعفر إذا عزم أمراً لم تُردّ عَزماتُه. قال: فلما قام، وأقَرَّه على القضاء قلتُ له: إن أميرَ المؤمنين المهديَّ ألينُ عَريكةً من الماضي. فقال: أما الآن فلاَ، فإني أخشى شماتَة الأعداء.
قال بعضُ أصحاب الحديث: سأَلتُ شريكاً عن النبيذ، فقال لي أمّا أنا فلا أتركُهُ حتى يكونَ أسوأ عملي.
وقال شريك لرجل: كم تشربُ من النبيذ؟ فقال: الرِّطلَ والرِّطلين.
فقال: يا أخي، ما شربتَه شُرب الفِتيان، ولا تركتهُ ترك القرآن.
ذكر عند شَريك العربُ والعجمُ، فغضِب، وقال ذهبَ العربُ الذين كانوا إذا غضِبُوا كفروا.
وقال عبدُ الله بنُ مُصعَب الزُّبيري لِشريك: بلغني أنك تشتُم أبا بكر وعُمَر. فقال: والله ما أشتُم الزبير، فكيف أشتُمُهما؟ مر؟ّ شريكٌ بالبصرة - وكان خرج مع المنصور إليها - فسألُوه أن يحدثهم فقال: يأْتيني أحدُهم مُشتَمِلاً على أن يسأَلني الحديث.
وقال أبو عبيدةَ: البلاءُ مُوكَّلِ بالمنطِق. كانَ جدُّ هذا: شريك يَعملُ الدّنَّ بوزارةً فقتل رجلاً، وهربَ إلى خُراسان، فقدم ابنُه وادَّعى إلى العَرب.
وكان شريك مِنَ النخع وقيل: إن جدّه هو سنان ابن أنس قاتل الحسين صلى الله عليه ولَعَن قاتِله.
ولما عُزل شريك عن القضاءِ قام إليه رجل، فقال: الحمدُ لله الذي عزَلك فقد كنت تُطيل النَّشوةَ، وتَقبل الرّشوةَ، وتوطىُّ العشوةَ. فقال رجلٌ فخنقه. فجَعل يصيح: قتلِني يا أبا عبدِ الله - جعلني الله فِداك - فقال شريك: قد ذلَّ مَن ليس له سَفيهٌ.
وسئل عن أبي حنيفة، فقال: أعلَمُ الناسِ بما لا يكونُ، وأجَهلُهم بما يكونُ.
ودخل على المهدي فقال له: يا شريكُ، بلغني أنَّك فاطميُّ. فقال: أتحبُّ فاطمةَ؟ أعثرَ الله من لا يحبُّ فاطمةَ. فقال المهدي: آمين فلما خرج شريكٌ قال المهديُّ لمن عنده: لَعنهُ الله، ما أظنُّهُ إلا عَنَاني.
وقال له يوماً: أيُّنا أشرفُ: نحن أم ولدُ عليَّ؟ فقال شريك أمَّا مثلَ فاطمة حتى تُساويُهم في الشَّرف.
ولما دعاه المهديُّ إلى القضاء قال له: لا اصلُحُ لذلك. قال: ولَم ذلك قال: لأني نسَّاءٌ. قال: عليك بمضغِ اللُّبان. قال: إني حَدِيدٌ. قال: قد فرض لك أمير المؤمنين فالُوذَجةَ توقرك. قال: إني امرُؤ أقضى على الوارد، والصادرِ.
قال: اقضِ عليَّ، وعلى والدي. قال: فاكفِني حاشِيتَك. قال: قد فعلتُ.
فكانت أول رُقْعة وردت عليه خالصةُ جاريةُ المهدي. فجاءت لتتقدَّم الخصْم، فقال: وراءَك مع خصْمِك مِراراً. فأبَتْ. فقال: وراءكِ بالخَنْاءُ قالت: يا شيخُ، أنت أحمقُ.
قال: قد أخْبرتُ مولاك، فأبى عَلي. فجاءت إلى المهدي تشكو إليه فقال لها: الْزميِ بيتَكِ، ولا تعْرضي له.
قال ابنُ أبي ليلى: ما لِقينا مِن هُنئ، كلما تُوجِّهت لنا قضيةٌ نقضَها علينا أبو حنيفة.
وشهد أبو حنيفة عِنْد شريك، فلم يُجز شهادَته، وقال: يكف أجيزُ شهادةَ قوم يزعمون أن الصَّلاةَ ليستْ من الإيمان.