FluentPlex

Scattered Pearls

نكت مستحسنة للقضاء

Original text Public domain

Read with the dictionary

كان إياسُ بن معاوية بن قرّة صادق الظنّ، لطيفاً في الأُمور، وتولىَّ قضاءَ البصرة في أيام عمر بن عبد العزيز. واختصم إليه رجلان في مُطرف خزِّ، وأنبجانِّي، فادَّعى كلُّ واحد منهما المطرف الخزَّ أنه له، وأنَّ الأنبجاني للآخرِ. فدعا إياس بمشط. وماءٍ، قبلَّ رأسَ كلِّ واحد منهما. ثم قال لأحدهما: سرِّح رأسك. فخرج في المُشط غفرُ المطرف وفي مشط الآخر غفرُ الأبجاني. فقال: يا خبيثُ، الأنبجاني لك. فأمرَّ فدفع المطرف إلى صاحبه.

استودع رجلٌ رجلاً من أمناءِ إياس مالاً، وخرج الرجلُ إلى مكة. فلما رجع طالبه بالمال فجحده، فأتى إياساً فأخُبرهُ، فقال إياسٌ علِم أنك أتيتني؟ قال: لا. قال فنازعته عند أحد؟ قال: لا. لا يعلم أحدٌ بهذا. قال: فانصرِف، واكتب أمرك ثم عُد إليّ بعد يومين. فمضى الرجل، دعا إياس أمينه ذلك. فقال: قد حضر مال كثيرٌ، وأريد أن أصيِّرَه إليك أتحصِّننَّ منزلك؟ قال: نعم. قال: فأَعِدَّ موضعاً للمال، وقوماً يحملونه. وعاد الرجل إلى إياس، فقال له: انطلِق إلى صاحبِك، فاطلُب مالك، فإن أعطاك فذاك، وإن جحدك فقْل له: أنِّي أخُبِر القاضي. فأتى الرجلُ صاحبهُ، فقال: مالي، وإلا أتيتُ القاضي، وشكوتُ إليه. فدفع إليه ماله، ورجع الرّجلُ إلى إياس فأخبره، وجاء الأمينُ لموعِدِه، فزجره إياسُ وقال: لقد بان يا خائن.

قال إياس لقوم من أهل مكَّة: قدمنا بلادكم، فعرفنا خِياركم، وشراركم قالوا: وكيف عرفتم؟ قال: كان معنا أخيارٌ، وأشرارٌ نعرِفُهم، فلحِق كلُّ جنس بجنسه.

كان إياسُ يقول: الخبُّ لا يخدعُني، ولا يخدع ابن سيرين، ويخدع الحَسن، ويخدعُ أبي.

وتبصروا هلال شهرِ رمضان وهم جماعةٌ، وفيهم أنسُ بن مالك وقد قاربَ المائةَ، فقال: قد رأيتُه. فقال إياسٌ: أشِر إلى موضعه. فجعل يشيرُ، ولا يروْنَه. ونظر إياس إلى أنس فإذا شَعرةٌ من حاجبه بيضاءُ قد انثنتْ، فصارت على عينهِ، فمسَحها إياسٌ وسوَّاها، ثم قال: يا أبا حمزةَ أرِنا موضِع الهلال. فنظرَ، فنظر، فقال: ما أرى شيئاً.

قال رجل لإياس: هل ترى علي بأْساً إن أكلتُ تمراً؟ قال: لا قال: فهل ترى بأْساً إن أكلتُ معه كَيُسوماً؟ قال: لا. قال: فإن شربتُ عليهما ماءً؟ قال: جائزٌ. قال الرجل: فلم تحرِّم السُّكر وإنما هو ما ذكرتْه لك؟ فقال إياس: لو صبْبتْ عليك ماءً. هل كان يضرُّك؟ قال: لا. قال: فإن نثرتُ عليك تراباً وتبناً، هل كان يضرُّك؟ قال: لا. قال: فإن أخذتُ ذلك، وخلطتُه، وعجنتُه، وجعلتُ منه لبنةً عظيمةً، فضربت بها رأسَكَ، أكان يضُرُّك؟ قال: كنت تقتلُني. قال: فهذا مثلُ ذلك.

كان إياس يقولُ: مَن أرادَ الصلاح فعليه: بحُميدِ الطًّويل وتدرُون ما يقول؟ يقول لهذا: انقص قليلاً، ولهذا: زد قليلاً، فينقطعُ الأثر بذلك. ومن أراد الفُجورَ فليأْخُذ صالحَ بن خلاف وتدرون ما يقولُ للمدَّعي عليه؟: اجحَد ما عليك، وللمدَّعِي: ادَّع ما ليس لك.

أتى إياس حلقةً من حلقات قريش في مسْجدٍ دمشقَ، فاستولى على المجلس، ورأوْه ذميماً، باذَّ الهيئة، فاستهانوُا به. فلما عرفُوه اعتذرُوا إليه، وقالُوا: الذَّنبُ بينَنَا، وبينك مقسومٌ، فإنك أتيتَنا في زيِّ مسكين، تكلِّمُنا بكلام الملوك.

أخذ الحكمُ بنُ أيُّوب إياسَ بن معاوية في ظِنَّة الخوارج، فقال له الحكمُ: إنك خارجيٌ منافق، وأوسَعه شتماً. ثم قال له: إيتنِي بكَفيل. فقال: أكْفُل أيُّها الأمير. فما أحَدٌ أعرفَ منكَ بي. قال: وما عِلمِي بك وأنا من أهل الشام، وأنتَ مِن أهلِ العراق؟ فقال له إياس: ففِيمَ هذه الشَّهادةُ منذُ اليوم؟ فضحِكَ وخلَّى سَبيله.

كان ابن أبي ليلى وِلي القضاء لبني أمية، وبعدهم لبني العباس. وقيل: وهو أول من تولى قضاءَ بغداد. وقيل: بل أوَلُ من تولاها من القُضاة شَريك.

وقال سفيانُ بن عُيَيْنةَ: شهد محمدُ بنُ عبد الرحمن بن الأسودِ عند ابن أبي ليلى بشهادة، فتوقَّف في شهادتِه. قال ابْن عيينة: فناظرتُ. بن أبي ليلى في ذَلك، وقلت له: أني لك بالكوفة رجلٌ مثلهُ؟؟ فقال: هو كذَلك، إلاَّ أنّ الذي شهد به عظيمٌ، والرجل فقيرٌ. قال: فأعجبني هذا من قوله.

وأخذَ علي ابنِ أبي ليلى رجلٌ جُلَسائه كلمةً، فقال له ابنُ أبي ليلى: أهد إلينا مِن هذا ما شئت. وكان يقولُ: أحذِّرُكم الثِّقات.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account