ومثله لأبي إسْحاق الصابي، كتابه عن بختيار إلى أبي تغلب وقد نقل إليه ابنته: قد وجدت الوديعة، وإنما نقلتْ من وطن، إلى سَكن، ومن مَغرِس إلى مُعَرسّ، ومن مأوى ير وانعطافْ، إلى مَثوَى كرامة وألطاف، ومن مَنبِت درت لها نعماؤه إلى منشأٍ يجود عليها سماؤُه، وهي بضعةٌ مني انفصلتْ إليْك، وثمرةٌ من جَنَى قلبي حَصلتْ لديْك، ولا ضَياع علي مَن تصحبه أمانتك، ويشتمل عليْه حفظك ورعايتك.
فصل: إذا طلبْتُ عند غيرك مَا لُم أنلْ نلتُ منك مَا لمْ أطلبْ، وإذا عدمتُ عند سواكَ ما رجوتُ وجدتُ عندَك ما لم أرج، فاليأس من خيرك أنفع من رجاي لغيرك، لأنك لا تقول فتفعلُ، وغيْركُ يقولُ فلا يفعلُ، ولأنك تعتذرُ من الجزيل إذا امتن غيرك بالقليل.
فصل: مِلْكُ الأنعام أكرم من مِلْكِ الرِّق، ورق الحرِّ أفخر من رق العبد، لأن العبد يعطيك طاعتهُ كُرهاً، وضميره سواها، والحرُّ يبذلُها لك طوعاً، ويعتقد ظاهرها وفحواها.
كتب أبو النجم حبيب بن عيسى إلى عمرو بن مسعدةَ: ينبغي لمن علقتْه حبائلُك، وشقي بصُحبتك أن يكون له صبرُ أيوُّب، وعمر نوح، وكنوزُ قارون، ومُلكُ هارون، فيستعين بالصبر على ممَاطلتك، بالعُمِر على طول أيامك، وبالكنوز، على مواعدك، وبالملك على ما ينالُه من الذلِّ ببَابك.
كتب سهلُ بن هارون إلى ذي الرياستين: إلى اللازمنة فرجاً. فكن من وُلاة فرجها، ولأيامَها دُولا، فخُذ بحظك من دوَلْتك منها، ولدُولها أمْراً فتزود قبل أوان تصرُّمها، فإن تعاظمَك ما أنبأْتُك عنهُ فانظر في جَوَانبها تأْخذك الموعظةُ من جميع نواحيها، واعتبر بذلك الاعتبار على أنك مسلمٌ ما سلم إليكَ منها. قال: فكتب عهدهُ على فارس.
كتب بعضهم إلى الفضل بن سهل: يا حافظَ من يُضيعُ نفسه عنده، ويا ذاكر مَن ينسى نصيبه منْه، ليس كتابي إذا كتبتُ استبطاء، ولا إمساكي إذا أمسكتُ استغناءً، لكن كتابي تذكرةٌ لك وإمساكي عنك ثقةٌ بك.
وصف الحسنُ بنُ سهلٍ المحن فقال: معها تمحيصٌ من الذئب وتنبيهٌ من الغفْلة، وتعريضٌ للصواب بالصبر، وتذكيرٌ بالنِّعْمة، واستدعاءُ للتوبْة، وفي قدر الله عز وجَل وقضائه.
كتب أبو علي بُرْد الخيار بن مُقْلة إلى أبي الحسن بن الفرات اقتصَرت - أطال الله بقاء الوزير - عن الاستعطاف والشكوى، وحتى تناهت المحنةُ والبلوى في النفس والمال، والجنس، والحال إلى ما فيه شفاءُ للمنتقم، وتقويم للمجترم، وحتى أفضيتُ إلى الحيْرة والتبلُّد وعيالي إلى الهلكة والتلدُّد: وما أقولُ إن حالاً أتاها الوزيرُ - أيده اللهُ - في أمري إلا بحق واجب، وظن صادق غير كاذب، وإلا أن القُدرة تُذْهبُ الحفيظة، والاعتراف يزُيلُ الاقتراف. ورَبُّ المعروف يؤثرهُ أهلُ الفضْل والدين، والإحسانُ إلى المسيء من أفْعال المتّقين، وعلى كلِّ حالة فلي ذمامٌ وحُرمةٌ وتأْميلٌ، وخدمةً إن كانتْ الإساءةُ تُضيعُها، فرعايةُ الوزير - أيدهُ اللهُ - تحفظُها.
كتب بعضهم إلى آخر: أما بعدُ: فقد كُنْتَ لنا كلُّك فاجعل لنا بعضك ولا ترض إلا بالكُلِّ منَّا لك.
كتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس: يا أميرَ المؤمنين، إنْ كان الذْنبُ خاصاً فلا تعمنَّ بالعُقوبة، فإن الله يقولُ: " ولا تزرُ وازرةٌ وزْر أخْرى " .
وجُد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعةُ أسطر بالذهب: الرزقُ مقسومٌ، والحريصُ محرومٌ، والبخيلُ مذمومٌ، والحسودُ مَغْمومٌ.
قال منصورُ بنُ زياد. الكاتبُ: للمعلى بن أيُّوب: والله إني لأبذلُ، وإني لأقدر وإني لأختارُ، وإني لأستشير، وإني لأحب مع طيب لخير، وحسن المنظر، وإني لأعشقُ البهاء كما تتعشقُ المرآة الحسناءُ، وإني مع ذلك لأدخُل دارك فأحقر كل شيء في داري. فما العلةُّ؟ قال: أو ما تعلمُ؟ قال لا. قال لأني أقدَمُ عني منك.
كان نقش محمد بن داودَ الجرْاح: من نمٍّ إليك نمِّ عليك.
قال مسلم بن الوليد: سألت الفضل بن سهل حاجةً. فقال: أشوقك اليوم بالوعد، وأحْبوك غداً بالإنجاز، فإني سمعت يحيى بن خالد يقول: المراعيد شبكةٌ من شباك الكرام، يصيدون بها محامدَ الأحرار ولو كان المعْطي لا يَعدُ، لارتفعت مفاخرُ إنجاز الوَعْد، ونقَص فضل صدق المقال.