أما تشبع. فتبسم. وقالت: يا رسول الله؛ لو مررت بعدوتين إحداهما عافية لم يرعها أحد، وأخرى قد رعاها الناس، أيهما كنت تنزل؟ قال: بالعافية التي لم يرعها الناس. قالت: فلست كأحد من نسائك.
روي أن عمر نهى أبا سفيان عن رش باب منزله لئلا يمر به الحاج فيزلقون فيه، فلم ينته. ومر عمر فزلق ببابه فعلاه بالدرة وقال: ألم آمرك ألا تفعل هذا. فوضع أبو سفيان سبابته على فيه. فقال عمر: الحمد لله الذي أراني أبا سفيان ببطحاء مكة أضربه فلا ينتصر، وآمره فيأتمر. فسمعته هند بنت عتبة فقالت: احمده يا عمر فإنك إن تحمده فقد أراك عظيماً.
كانت زينب بنت سليمان بن علي تقول: من أراد أن يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده. ألم تسمع إلى قولهم: سمع الله لمن حمده. فخف الله لقدرته عليك واستحي منه لقربه منك.
وقالت زينب: لو أدرك المنصور ما ساس به المأمون بني أبي طالب لخرج له عما يملك.
لما تزوجت خديجة رضوان الله عليها برسول الله صلى الله عليه وسلم كست أباها حلة وخلقته ونحرت جزوراً، فلما أفاق الشيخ قال: ما هذا الحبير وهذا العبير وهذا العقير؟ فقالت خديجة: زوجتني محمداً وهو كساك هذا.
قيل: ما رئيت ابنة عبد الله بن جعفر ضاحكة بعد أن تزوجها الحجاج فقيل لها: لو تسليت، فإنه أمر قد وقع. فقالت: كيف وبم؟ فوالله لقد ألبست قومي عاراً لا يغسل درنه بغسل.
ولما مات أبوها لم تبك عليه. فقيل لها: ألا تبكين على أبيك؟ قالت: والله إن الحزن ليبعثني وإن الغيظ ليصمتني.
مات ابن لزينب بنت سليمان بن علي فوجه المأمون بصالح بن الرشيد للصلاة عليه، فقال لها صالح: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: قد كنت على الركوب، فعرضت لي علة، وقد وجهت صالحاً ليقوم مقامي، عظم الله أجرك، فإنما فقدت شخصه، وثوابه مذخور لك. قال: فظهر غضبها، ورفعت ابناً لابنها الميت فقالت: صل على أبيك وقالت:
سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
أما إنه لو كان يحيى بن الحسين بن زيد لوضعت ذيلك في فيك، وعدوت خلف جنازته.
لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه أم جعفر فقالت: يا أمير المؤمنين 363 أهنئك بخلافة قد هنأت بها نفسي عنك قبل أن أراك. ولئن فقدت ابناً خليفةً لقد عوضت ابناً خليفة لم ألده. وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أم ملأت يدها منك، فأسأل الله أجراً على ما أخذ، ومتاعاً بما وهب.
دخلت فاطمة بنت الحسين على هشام بن عبد الملك، فقال لبعض جلسائه: حركها بشيء تغضب منه. فقال يا أمير المؤمنين: إنها لا تعرف الشر. فقالت له: أيهاً عنك. علمي به جنبنيه.
روى عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان قال: جمعتنا أمنا فاطمة بنت الحسين عليه السلام فقالت: يا بني؛ إنه والله ما نال أحد من أهل السفه بسفههم شيئاً ولا أدركوه من لذاتهم إلا وقد ناله أهل المروءات، فاستتروا بستر الله.
وذكر أن فاطمة أعطت ولدها من حسن بن حسن ما ورثته منه، وأعطت ولدها من عبد الله بن عمرو بن عثمان مورثها منه، فوجد ولد حسن بن حسن في أنفسهم لأن ما ورثت من عبد الله بن عمرو كان أكثر فقالت لهم: يا بني، إني كرهت أن يرى أحدكم شيئاً من مال أبيه بيد أخيه، فيجد من ذلك في نفسه فلذلك فعلت ما فعلت.
ودخلت مع أختها سكينة على هشام بن عبد الملك، فقال هشام لفاطمة: صفي لنا يا بنة حسين ولدك من ابن عمك، وصفي لنا ولدك من ابن عمنا قال: فبدأت بولد الحسن قالت: أما عبد الله فسيدنا وشريفنا والمطاع فينا، وأما الحسن فلساننا ومدرهنا وأشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم شمائل وتقلعاً ولوناً - وكان رسول الله عليه السلام إذا مشى تقلع فلا تكاد عقباه تقعان بالأرض - وأما الذان من ابن عمكم فإن محمداً جمالنا الذي نباهي به، والقاسم عارضتنا التي نمتنع بها، وأشبه الناس بأبي العاص بن أمية عارضة ونفساً. فقال: والله لقد أحسنت صفاتهم يا بنة حسين. ثم وثب فجبذت سكينة بردائه فقالت: والله يا أحول لقد أصبحت تهكم بنا. أما والله ما أبرزنا لك إلا يوم الطف، قال: أنت امرأة كثيرة الشر.
الباب الثاني
نكت من كلام النساء
ومستحسن جواباتهن وألفاظهن