ما تدرون أي كبد لرسول الله صلى الله عليه فريتم، وأي كريم له أبرزتم، وأي دم له سفكتم. لقد جئتم بها شوهاء خرقاء طلاع الأرض والسماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دماً، " ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون " فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا تحفزه المبادرة، ولا يخاف عليه فوت الثأر كلا إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد.
ثم ولت عنهم. قال: فرأيت الناس حيارى وقد ردوا أيديهم إلى أفواههم ورأيت شيخاً كبيراً من بني جعفي وقد اخضلت لحيته من دموع عينيه، وهو يقول:
كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إذا نسل ل يبور ولا يخزي
حفصة أم المؤمنين
خطبت حفصة بنت عمر فقالت: الحمد لله الذي لا نظير له والفرد الذي لا شريك له.
وأما بعد، فكل العجب من قوم زين الشيطان أفعالهم، وارعوى إلى صنيعهم، ودب في الفتنة لهم، ونصب حبائله لختلهم، حتى هم عدو الله بإحياء البدعة، ونبش الفتنة، وتجديد الجور بعد دروسه، وإظهاره بعد دثوره، وإراقة الدماء، وإباحة الحمى، وانتهاك محارم الله عز وجل بعد تحصينها، فتضرم وهاج وتوغر وثار غضباً لله نصرة لدين الله، فأخسأ الشيطان ووقم كيده، وكفف إرادته، وقدع محبته، وصعر خده السبقة إلى مشايعة أولى الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه، الماضي على سنته، المقتدي بدينه، المقتص لأثره؛ فلم يزل سراجه زاهراً؛ وضوؤه لامعاً ونوره ساطعاً.
له من الأفعال الغرر، ومن الآراء المصاص، ومن التقدم في طاعة الله عز وجل اللباب، إلى أن قبضه الله إليه، قالياً لما خرج منه، شانئاً لما نزل من أمره، شنفاً لما كنا فيه، صباً إلى ما صار إليه، وائلاً إلى ما دعي إليه، عاشقاً لما هو فيه.
فلما صار إلى التي وصفت، وعاين ما ذكرت أومأ بها إلى أخيه في المعدلة ونظيرة في السيرة، وشقيقه في الديانة، ولو كان غير الله أراد لأمالها إلى ابنه، ولصيرها في عقبه، ولم يخرجها من ذريته، فأخذها بحقها، وقام فيها بقسطها، لم يؤده ثقلها، ولم يبهظه حفظها، مشرداً للكفر عن موطنه ونافراً له عن وكره، ومثيراً له من مجثمه، حتى فتح الله عز وجل على يديه أقطار البلاد، ونصر الله يقدمه، وملائكته تكنفه، وهو بالله معتصم، وعليه متوكل، حتى تأكدت عرا الحق عليكم عقداً، واضمحلت عرا الباطل عنكم حلاً، نوره في الدجنات ساطع، وضوؤه في الظلمات لامع، قالياً للدنيا إذ عرفها، لافظاً لها إذ عجمها، وشانئاً لها إذ سبرها؛ تخطبه ويقلاها، وتريده ويأباها، لا تطلب سواه بعلاً، ولا نبغي سواه نحلاً356 أخبرها أن التي يخطب أرغد منها عيشاً، وأنضر منها حبوراً، وأدوم منها سروراً، وأبقى منها خلوداً، وأطول منها أياماً، وأغذق منها أرضاً، وأنعث منها جمالاً، وأتم منها بلهنية، وأعذب منها رفنية فبشعت نفسه بذلك لعادتها، واقشعرت منها لمخالفتها، فعركها بالعزم الشديد حتى أجابت وبالرأي الجليد حتى انقادت، فأقام فيها دعائم الإسلام، وقواعد السنة الجارية، ورواسي الآثار الماضية وأعلام أخبار النبوة الظاهرة، وظل خميصاً من بهجتها، قالياً لأثاثها، لا يرغب في زبرجها ولا تطمح نفسه إلى جدتها حتى دعي فأجاب، ونودي فأطاع على تلك الحال؛ فاحتذى في الناس بأخيه فأخرجها من نسله، وصيرها شوري بين إخوته، فبأي أفعاله يتعلقون؟ وبأي مذاهبه يتمسكون؟ أبطرائقه القويمة في حياته، أم بعدله فيكم عند وفاته، ألهمنا الله وإياكم طاعته، وإذا شئتم ففي حفظ الله وكلاءته.
عائشة بنت عثمان
قال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام في ماله بينبع فلما قتل عثمان بن عفان خرج إليه عنق من الناس يتساعون، تشتد بهم دوابهم فاستطاروا فرحاً، واستفزهم الجذل، حتى قدموا به فبايعوه، فلما بلغ ذلك عائشة ابنة عثمان صاحت بأعلى صوتها: يا ثارات عثمان! إنا لله وإنا إليه راجعون! أفنيت نفسه، وطل دمه في حرم رسول الله صلى الله عليه، ومنع من دفنه؟ اللهم لو يشاء لامتنع، ووجد من الله عز وجل حاكماً، ومن المسلمين ناصرأ، ومن المهاجرين شاهداً، حتى يفئ إلى الحق من شذ عنه، أو تطيح هامات وتفرى غلاصم وتخاض دماء، ولكن استوحش مما أنستم به، واستوخم ما استمرأتموه.
يا من استحل حرم الله ورسوله، واستباح حماه، لقد كره عثمان ما أقدمتم عليه، ولقد نقمتم عليه أقل مما أتيتم إليه، فراجع فلم تراجعوه، واستقال فلم تقيلوه.