وكان عروة يقول لبنيه: يا بني؛ إن أزهد الناس في عالمٍ أهله، هلموا إلي فتعلموا، فإنه يوشك أن تكونوا كبار قوم، إني كنت صغيراً لا ينظر إلي، فلما أدركت من السن ما أدركت جعل الناس يسألونني. فما أشد على امرئ أن يسأل عن شيء من أمر دينه فيجهله.
ونادى أهل الشام عبد الله: يا بن ذات النطاقين. فقال: إيه والإله، أو: إيهاً والإله.
وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارها
وخطب يوماً، فحض على الزهد، وذكر أن ما يكفي الإنسان قليل، فنزغه إنسان من أهل المسجد بنزيغة، ثم خبأ رأسه، فقال: أين هذا؟ فلم يتكلم أحد، فقال: قاتله الله ضبح ضبحة الثعلب، وقبع قبعة القنفذ.
وقال: لما قتل عثمان قلت: لا أستقيلها أبداً، فلما مات أبي انقطع بي، ثم استمرت مريرتي.
ودخل الحجاج إلى عبد الملك، فرأى عنده عروة، فقال: يا أمير المؤمنين أتقعد ابن العمشاء معك على سريرك؟ لا أم له؛ فقال عروة: أنا لا أم لي؟ وأنا ابن عجائز الجنة، ولكن إن شئت أخبرتك من لا أم له يا بن المتمنية؛ فقال عبد الملك: أقسمت عليك ألا تفعل، فكف عروة - أراد بقوله: يا بن المتمنية، قول أم الحجاج، وهي الفارعة بنت همام.
ألا سبيل إلى خمرٍ فأشربها ... أم لا سبيل إلى نصر بن حجاج؟
لما أخرج ابن الزبير ابن العباس من مكة إلى الطائف، مر بنعمان. فنزل فصلى ركعتين، ثم رفع يديه يدعو، فقال: اللهم إنك تعلم أنه لم يك بلدٌ أحب إلي أن أعبدك فيه من البلد الحرام، ولا أحب إلي أن يقبض فيه روحي منه، وإن ابن الزبير أخرجني عنه؛ ليكون أقوى له في سلطانه، اللهم فأوهن كيده، واجعل دائرة السوء عليه.
فلما دنا من الطائف تلقاه أهلها فقالوا: يا بن عم رسول الله، أنت والله أحب إلينا وأكرم علينا ممن أخرجك، هذه منازلنا، تخير فانزل منها حيث أحببت، فنزل منزلاً، فكان يجلس لأهل الطائف في مسجدهم بعد الفجر وبعد العصر، فيتكلم فيحمد الله، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر الخلفاء فيقول: ذهبوا فلم يدعوا أمثالهم، ولا أشباههم، ولا مدانيهم؛ ولكنه بقي أقوامٌ يريغون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون جلود الضأن لتحسبوهم من الزاهدين في الدنيا، يراءونكم بأعمالهم، ويسخطون الله بسرائرهم، فادعوا الله أن يقضي لهذه الأمة بالإحسان، فيولي أمرها خيارها وأبرارها، ويهلك شرارها فجارها. ارفعوا أيديكم إلى ربكم، وسلوه ذلكم فيفعلون.
فبلغ الخبر ابن الزبير فكتب إليه: أما بعد؛ فقد بلغني أنك تجلس لأهل الطائف العصرين، تفتيهم بالجهل وتعيب أهل الحلم والفضل، وإن حلمي عنك، واستدامتي فيك جرءاك علي، فاكفف - لا أبا لغيرك - من غربك. واربع على ظلعك، واعقل إن كان لك مقعولٌ، على نفسك، فإنك إن تهنها تجد بها على الناس هواناً، ألم تسمع قول الشاعر:
ونفسك فاكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما
وإني لأقسم له لئن لم تنته عما يبلغني عنك لتجدن جانبي خشناً، ولتجدني إلى ما يردعك عجلاً؛ فر رأيك ممكناً لك، فإن أشفى بك على الردى فلا تلم إلا نفسك والسلام.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر أني أفتى الناس بالجهل، وإنما يفتي بالجهل من لم يؤت شيئاً من العلم، وقد - والحمد لله - آتاني الله من العلم ما لم يؤته أباك ولم يؤته إياك.
وذكرت أن حلمك عني هو جرأتي عليك، وتقول: اكفف من غربك واربع على ظلعك، وتضرب لي الأمثال أحاديث الضبع استها.
فمتى رأيتني لعرامك هائباً، وعن حدك ناكلاً؟ وتقول: إن لم أكفف عما يبلغك عني وجدت جانبك خشناً، ووجدتك إلي عجلاً، فلا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا أرعى إن أرعيت. فوالله لا أنتهي عن قولٍ بالحق، وصنعة أهل العدل والفضل، وذم الأخسرين أعمالاً. " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً " والسلام.
خرج عروة بن الزبير إلى الوليد، فوطئ عظماً، فلم يبلغ دمشق حتى ذهب به كل مذهب؛ فجمع الوليد الأطباء، فأجمع رأيهم على قطعها، فقالوا له: اشرب مرقدا؛ فقال: ما أحب أن أغفل عن ذكر الله، فأحمي له منشار، وكان قطعاً وحسما، فما توجع، وقال: ضعوها بين يدي؛ لئن كنت ابتليت في عضو لقد عوفيت في أعضاء.