كان أبو سفيان إذا نزل به جارٌ قال له: يا هذا؛ إنك قد اخترتني جاراً واخترت داري داراً؛ فجناية يدك علي دونك، وإن جنت عليك يدٌ فاحتكم حكم الصبي على أهله.
ولى أبو بكر - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان ربعاً من أرباع الشام، فرقى المنبر فتكلم، فأرتج عليه، فاستأنف، فأرتج عليه؛ فقطع الخطبة ثم أقبل على الناس؛ فقال: " سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً، وبعد عيٍّ بياناً، وأنتم إلى أميرٍ فعال أحوج منكم إلى أميرٍ قوالٍ. " فبلغ كلامه عمرو بن العاص؛ فقال: هن مخرجاتي من الشام. استحساناً لكلامه.
ذكر العتبي: أن معاوية بن أبي سفيان أسر إلى عمرو بن عنبسة بن أبي سفيان حديثاً، قال عمرو: فجئت إلى أبي، فقلت: إن أمير المؤمنين أسر إلي حديثاً، أفأحدثك به؟ قال: لا؛ لأنه من كتم حديثه كان الخيار إليه، ومن أظهره كان الخيار عليه، فلا تجعل نفسك مملوكاً، بعد أن كنت مالكاً. فقلت: أو يدخل هذا بين الرجل وابنه؟ قال: لا، ولكن أكره أن تذلل لسانك بإفشاء السر. قال: فرجعت إلى معاوية، فذكرت ذلك له. فقال: أعتقك أخي من رق الخطأ.
خطب عتبة بن أبي سفيان الناس بالموسم في سنة إحدى وأربعين، وعهد الناس حديثٌ بالفتنة، فاستفتح، ثم قال: أيها الناس؛ إنا قد ولينا هذا الموضع الذي يضاعف الله عز وجل للمحسنين فيه الأجر، وعلى المسيء الوزر، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع دوننا، ورب متمنٍ حتفه في أمنيته. اقبلوا العافية ما قبلناها منكم وفيكم، وإياكم و لو، فقد أتعبت من كان قبلكم، ولن تريح من بعدكم. اسأل الله أن يعين كلاً على كلٍّ.
فنعق أعرابي من مؤخرٍ المسجد، فقال: أيها الخليفة؛ فقال: لست به ولم تبعد. قال: فيا أخاه. قال: قد أسمعت فقل. قال: والله لئن تحسنوا وقد أسأنا خيرٌ لكم من أن تسيئوا وقد أحسنا؛ فإن كان الإحسان لكم، فما أحقكم باستتمامه وإن كان لنا فما أحقكم بمكافأتنا رجلٌ من بني عامرٍ يمت إليكم بالعمومة، ويختص إليكم بالخؤولة، وقد وطئه كيد زمانٍ، وكثرة عيال، وفيه أجرٌ، وعنده شكرٌ. فقال عتبة: أستعيذ بالله منك، وأستعينه عليك، قد أمرت لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك.
قال داود بن علي لإسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص، بعد قتله من قتل من بني أمية: أساءك ما فعلت بأصحابك؟ قال: كانوا يداً فقطعتها، وعضداً ففتتها، ومرةً فنقضتها، وجناحاً فنتفته. قال: إني لخليقٌ أن ألحقك بهم. قال: إني إذاً لسعيدٌ.
قيل لأبي سفيان: بم سدت قومك؟ قال: لم أخاصم أحداً إلا تركت للصلح موضعاً.
خطب عثمان بن عنبسةً بن أبي سفيان إلى عتبة بن أبي سفيان ابنته، فأقعده على فخذه، وكان حدثاً؛ فقال: أقرب قريبٍ خطب أحب حبيب، لا أستطيع له رداً، ولا أجد من تشفيعه بداً قد زوجتك، وأنت أعز علي منها، وهي ألوط. بقلبي منك، فأكرمها يعذب على لساني ذكرك، ولا تهنها فيصغر عندي قدرك، وقد قربتك مع قرابتك، فلا تباعدن قلبي منك.
رأى أبو سفيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للعباس: يا أبا الفضل؛ ما رأيت كاليوم طاعة قومٍ، ولا فارس الأكارم، ولا الروم ذات القرون.
وقال أبو سفيان: إن محمداً لم يناكر أحداً قط. إلا كان معه الأهوال.
يناكر: يحارب، وقيل: يخادع، وقوله: الأهوال مثل قول النبي عليه السلام: " نصرت بالرعب " .
وقال أبو سفيان في غزوة السويق: أما أخذت سيفاً ولا نبلاً إلا تعسر علي، ولقد قمت إلى بكرة قحدةٍ، أريد أن أعرقبها، فما استطبعت سيفي لعرقوبها، فتناولت القوس والنبل؛ لأرمي ظبية عصماء نرد بها قرمنا، فانثنت على سيتاها وانمرط قذذ السهم وانتصل فعرفت أن القوم ليست فيهم حيلةٌ.
وفد ابن عامر على عثمان فدخل عليه - وعنده أبو سفيان - فقال له أبو سفيان: من استخلفت على أهل البصرة؟ قال: زياداً. قال: جد ثديا أمك. استخلفت عليهم رجلاً من الفرس.