FluentPlex

Scattered Pearls

الرشيد

Original text Public domain

Read with the dictionary

فأمر به فرد إلى محبسه. ثم قال: لقد دعوت به، وأنا أرى مكان السيف من صليف قفاه، ثم هأنا قد رثيت له. كتب الرشيد إلى الفضل بن يحيى: أطال الله يا أخي مدتك، وأدام نعمتك، والله ما منعني من إتيانك إلا التطير من عيادتك، فاعذر أخاك، فوالله ما قلاك ولا سلاك، ولا استبدل بك سواك. قال الأصمعي: قال لنا الرشيد ذات يوم: ما التكش عندكم؟ قلت: الذي يتفتى على كبر السن. فقال: أخطأت. التكش: الذي يشرب على غير سماع. قالوا: رفع صاحب الخبر في أيام الرشيد أن صاحب الحبس حبس رجلاً يجمع بين الرجال والنساء في منزله، وأنه سئل عن ذلك، فأقر، وزعم أنه يجمع بينهم بتزويج لا زنية، وبنكاح لا سفاح، وشهد له بذلك جماعة، وتشفع في بابه قوم من الكتاب والقواد، فلم يطلق. فلما قرأ الرشيد ذلك استشاط غضباً حتى انكر جلساؤه ذلك، وظنوا أنه سينكل بالرجل، إلى أن قال: وما سبيلهم على رجل وسع في منزله لصديقه، وأسبل عليه ستره، وسعى فيما يحل له من لذته؟ وهو بعد مستراح للأحرار، وذوي الشرف ةالأقدار، ونحن نعلم أن الشريف والسيد، والأديب والأريب قد تكون عنده العقيلة من بنات عمه، ونساء قومه، وأكفائه، فتحظر عليه شهوته، وتملك عليه أمره، وهي أقبح من السحر، وأسمج من القرد، وأهر من الكلب، وأشد تعدياً من الليث العادي، فيريد شراء جارية أو تزوج حرة، فلا يقدر على ذلك لمكانها، حتى يستريح إلى مثل هذا من الفتيان ويغشى منزل أمثاله من الأحرار، فيجعله سكنه، وينزل به مهمه، فيساعده على حاجته، ويسعى له فيما يحب من لذته، ويستره بمنزله. اكتبوا في اطلاقه والسؤال عن حاله فإن كان كما ذكر عنه من الستر وكان صادقاً فيما حكى عن نفسه ما الفعل أمين على مروءته باكف وينار وأومن من روعته وعرف ما امرنا به فيه. فقال الجميع: سدد الله رأي أمير المؤمنين ووفقه. وعاتبته أم جعفر في تقريظه للمأمون، دون محمد ابنها، فدعا خادماًبحضرته، وقال له: وجه إلى محمد وعبد الله خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة: ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؟، فأما محمد فإنه قال للخادم: أقطعك وأعطيك، وأقدمك. وأما المأمون فإنه رمى الخادم بدواة كانت بين يديه، وقال: يا بن اللخناء، أتسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين؟ إني لأرجو أن نكون جميعاً فداءاً له. فرجعا بالخبر، فقال الرشيد لأم جعفر: كبف ترين؟ ما أقدم ابنك إلا متابعة لرأيك، وتركاً للحزم. وسايره يوماً عبد الملك بن صالح، فقام رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، طأطئ من إشرافه، واشدد شكائمه، وإلا أفسد عليك ملكك، فقال الرشيد: يا عبد الملك، ما هذا؟ قال: حاسد نعمة، ونافس رتبة أغضبه، رضاك عني وباعده قربك مني، وساءه إحسانك إلي. فقال الرشيد:انخفض القوم وعلوتهم، فتوقدت في قلوبهم جمرة التأسف، فقال عبد الملك:أضرمها الله بالتزيد عندك، فقال: هذا لك وهذا لهم. وأنشده إسحاق الموصلي مدحاً له، فقالك لله در أبياتٍ تجيئ بها ما أحكم أصولها، وأحسن فصولها، وأقل فضولها فقال إسحاق: هذا الكلام أحسن من شعري. كان الحسن اللؤلؤي يختلف إلى المأمون، يلقي عليه الفرائض، فدخل عليه ليلة وقد صلى العشاء الآخرة، فجعل يلقي عليه، ونعس المأمون فأطبق جفنه، فقال الحسن: أنمت أيها الأمير؟ ففتح عينيه وهو إذ ذاك صبي فقال: عامي والله لم يغذ بالأدب، خذوا بيده ولا تعيدوه إلي. فبلغ ذلك الرشيد، فتمثل بقول زهير:

وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل

وقال لحاجبه: احجب عني من إذا قعد أطال، وإذا سأل أحال، ولا تستخفن بذي حرمة، وقدم أبناء الدعوة. وصعد يوماً المنبر وقد شغب الجند، ثم سكنوا بعد إيقاع بهم، فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على الملائكة المقربين، والأنبياء أجمعين. أما بعد، فقد كان لكم ذنب، وكان لنا عتب، وكان منكم اصطلام، وكان منا انتقام، وعندي بعد هذا التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والإحسان إلى المحسنين، والتغمد لإساءة المسيئين، وألا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عنكم عطاء، وعلي بذلك الوفاء إن شاء الله. ثم نزل. قال سعيد بن سلم: كان فهم الرشيد فهم العلماء. أنشده العماني في صفة الفرس:

كأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلماً محرفا

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account