FluentPlex

Scattered Pearls

المنصور

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

أما والله لقد عجزوا عما قمنا به، فما عضوا المكافي، ولا شكروا المنعم. فماذا حاولوا؟ أأشرب رنقاً على غصص، وأبيت منهم على مضض؟ كلا والله أصل ذا رحم حاول قطيعتها، ولئن لم يرض بالعفو ليطلبن مالاً يوجد عندي، فليق ذو نفسٍ على نفسه، قبل أن تمضي عنه، ثم لا يبكى عليه، ولا تذهب ولا تذهب نفسٌ مسرة لما أتاه. وخطب بعد قتله أبا مسلم، فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإنه من نازعنا عروة هذا القميص أوطأناه خبئ هذا الغمد - وأومأ إلى سيفه - وإن عبد الرحمن بايعنا، وبايع لنا على أنه من نكث بنا فقد حل دمه، ثم نكث بنا، فحكمنا فيه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم تمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحد عليه. وروي أنه قال: أيها الناس، لا تنفروا أطراف النعمة بقلة الشكر، فتحل بكم النقمة، ولا تسروا غش الأئمة، فإن أحداً لايسر منكم إلاظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره، وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه خبئ هذا الغمد. أهوى هشام بن عروة إلى يده ليقبلها، فقال له: يا أبا المنذر، إنا نكرمك عنها، ونكرمها عن غيرك. قيل: خلا المنصور مع يزيد بن أسيد، فقال: يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أن تقتله، وتتقرب إلى الله بدمه، فوالله لا يصفو ملكك، ولا تهنأ بعيشٍ ما بقي بك عدوك. قال يزيد: فنفر مني نفرة ظننت أنه سيأتي علي، ثم قال:قطع الله لسانك وأشمت بك عدوك، أتشير علي بقتل أنصح الناس لنا، وأثقلهم على عدونا؟ أما والله لولا حفظي ما سلف منك، وأني أعدها هفوة من رأيك لضربت عنقك، قم لا أقام الله رجليك قال يزيد: فقمت وقد أظلم بصري، وتمنيت أن تسيخ الأرض بي. فلما كان بعد قتله بدهر قال لي: يا يزيد، أتذكر يوم شاورتك في أمر العبد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وما رأيتني قط ادنى إلى الموت مني يومئذ قال: فوالله لكان ذلك رأيي وما لا أشك فيه، ولكني خشيت أن يظهر ذلك منك، فتفسد علي مكيدتي. قال الربيع: سمعت المنصور يقول: الخلفاء أربعة، والملوك أربعة، فالخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على ما نال من عثمان، وما نيل منه أعظم، ولنعم الرجل كان عمر بن عبد العزيز. والملوك: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا، ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة. وقال: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأ، ومن أضعف كان شكوراً، ومن شكر كان كريماً، ومن علم أنما صنع لنفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم، ولم يستزدهم في مودتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما أسديته إلى نفسك. استأذن سوار قاضي البصرة على المنصور، فأذن له، فدخل وسلم، فقال المنصور: وعليك السلام. أدن أبا عبد الله، فقال: يا أمير المؤمنين، أأدنوا على ما مضى عليه الناس أم على ما أحدثوا؟ فقال: بل على ما مضى عليه الناس، فدنا فصافحه ثم جلس، فقال المنصور: يا أبا عبد الله، قد عزمت على أن أدعو أهل البصرة بسجلاتهم، وأشريتهم، فقال: يا أمير المؤمنين، نشدتك الله ألا تعرض لأهل البصرة. فقال: يا سوار، أبأهلالبصرة تهددني؟ والله لهممت أن أوجه إليهم من يأخذ بأفواه سككهم وطرقهم، ويضع السيف فيهم فلا يرفعه عنهم حتى يفنيهم، فقال: يا أمير المؤمنين، ذهبت إلى غير ما ذهبت إليه، إنما كرهت لك أن تتعرض لدعاء الأرملة واليتيم، والشيخ الكبير الفاني، والحدث الضعيف. فقال: يا أبا عبد الله، أنا للأرملة بعل، ولليتيم أب، وللشيخ أخ، وللحدث الضعيف عم، وإنما أريد أن أنظر في سجلاتهم وأشريتهم لأستخرج ما في أيدي الأغنياء، مما أخذوه بقوتهم وجاههم من حقوق الضعفاء والفقراء. فقال: وفقك الله للخير، وأرشدك لما يحب ويرضى. وقال للمهدي: أشبع العباس بن محمد، فإنك إن لم تشبعه أكلك. كتب إليه صاحب أرمينية: إن الجند شغبوا علي، وطلبوا أرزاقهم، وكسروا أقفال بيت المال، وانتهبوه، فأمر بعزله، ووقع: لوعدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا. ووقع في قصة رجل ذكر: أن أمير المؤمنين أمر بأرزاق له، وأن الفضل أبطأ بها: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " قال أبو عبيد الله: سمعت المنصور يقول للمهدي حين عقد له: يا بني، استدم النعمة بالشكر، والقدرة بالعفو، والطاعة بالتلف، والنصر بالتواضع، والرحمة من الله

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا