FluentPlex

Scattered Pearls

كلام معاوية بن أبي سفيان

Original text Public domain

Read with the dictionary

الباب الحادي عشر : نوادر البخلاء الباب الثاني عشر : كلام الشطار الباب الثالث عشر : العي ، ومخاطبات الحمقى.

الباب الأول

كلام معاوية بن أبي سفيان

قال الهيثم: خرجَ معاويةُ يريد مكة، حتى إذا كان بالأبواء أطلَع في بئرٍ عاديةٍ؛ فأصابتهُ اللقْوة. فأتى مكة، فلما قضى نُسُكه، وصار إلى منزله، دعا بثوبٍ، فلفه على رأسه، وعلى جانب وجههِ الذي أصابه فيه ما أصابه، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، وعنده مروانُ، فقال: إن أكن قد ابتُلِيتُ فقد ابتُلى الصالحون قبلي، وأرجو أن أكونَ منهم وإن عُوقِبتُ فقد عوقب الظالمون قبلي، وما آمَنُ أن أكون منهم، وقد ابتليت في أحسنيِ وما يبدو مني، وما أُحصِى صحيحي. وما كان لي على ربي إلا ما أعطاني والله إن كان عتَبَ بعد خاصَّتكم لقد كنت حدباً على عامتكم، فرحم الله أمرءاً دعا لي بالعافية: قال: فعج الناسُ بالدعاء له، فبكى، فقال مروان: وما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: كبرتْ سِني، و كثر الدمعُ في عيني، وخشيت أن تكون عقوبة من ربي، و لو يزيد، أبصرتُ قصدي. دخل المسْور على معاوية، فقال له:: كيف تركتَ قريشاً؟ قال: أنت سيدها يا أمير المؤمنين، أعلاها كعباً، وأسودها أباً، وأرفعها ذِكراً وأجلها قدراً. قال: كيف تركتَ سعيداً؟ قال: عليلاً. قال: لليدَيْنِ و ِللْفَم:

بِهِ لا بِظَبْيٍ بالصَّريمَةِ أعفَراً

قال: و عمرو بن سعيدٍ صبيٌّ يسمع قوله من وَرائِهِ. فقال: إذاً والله لا يسد جُفرتكَ، ولا يزيد في رزقك، ولا يدفع حتفاً عنك، بل يفتُّ في عضدك، ويهيضُ ظهرك، وينشرُ أمركَ، فتدعو فلا تُجاب، و تتوعدُ فلا تُهاب. فقال معاوية: يا أبا أمية، أراك ها هنا، إن أباك جارانا إلى غاية الشرف، فلم تعلق بآثاره، ولم نقم لمحفاره، ولم تلحق بمضماره، ولم ندن من غباره، هذا مع قوة مكانٍ، وعزة سلطان. وإن أثقل قومنا علينا من سبقنا إلى غاية شرفٍ، فأخذ أبوك علينا القصبة، وملك دوننا الغلبة. رُوِيَ: أن عمَرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - قدم الشام، ومعه عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة، هما على حمارين قريبين من الأرض، فتلقاَّهما معاوية في كوكبة خشناء، فثنى وَرِكَهُ، فنزل، وسلم بالخلافة: فلم يرد عليه، فقال له عبد الرحمن وأبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أحضرت الفتى فلو كلمته. فقال: إنك لصاحبُ الجيشِ الذي أرى؟ قال: نعم. قال: مع شدةِ احتجابِكَ، ووقوف ذوي الحوائج ببابك؟ قال: أجل. قال: لِمَ؟ ويلك قال: لأنا ببلادٍ يكثر بها جواسيس العدو، فإن نحن لم نتخد العدة والعدد للعدو استخف بنا. وهجم على عورتنا. وأنا - بعدُ - عاملُك، فإن وقفتني وقفتُ، وإن استزدتني زِد تُ، وإن استنقصتني نقصتُ. قال: والله لئن كنت كاذباً إنه لرأيٌ أريبٍ، ولئن كنت صادقاً إنه لتدبيرٌ أديب. ما سألتك قطّ عن شيءٍ إلا تركتني فيه أضيقَ من رواجبِ الضرس. لا آمرُك ولا أنهاك. فلما انصرف قال له صاحبه: لقد أحسن الفتى في إصدارِ ما أوردتَ عليه. قال: بحسن إصداره وإيراده جشَّمناه ما جشَّمناه. قال معاوية: معروف زماننا هذا منكر زمانٍ قد مضى، و منكرُ زماننا هذا معروف زمانٍ لم يأتِ. وقال يوماً على المنبر: يا أهل الشام، ما أنتم بخيرٍ من أهل العراقِ ثم ندم فتداركها، فقال: إلا أنكم أعطِيتم بالطاعة، وحُرِموا بالمعصية. ومن كلامه: الفرصةُ خُلسة، والحياء يمنع الرزق، والهيبة خيبة و الحكمة ضالة المؤمن. وقال ذات يومٍ لابنه يزيد: يا بُنيّ، لا تستفسد الحر فساداً لاتُصلحهُ أبداً. قال: بماذا؟ قال: لاتَشْتُمَنَّ له عِرضاً، ولا تضربنَّ له ظهراً، فإن الحُرَّ لا يرى الدنيا عوضاً من هذين، ولكن خذ ما له، و متى شئتَ أن تُصلِحَهُ فمالٌ بمال. و أتى بسارقٍ، فقال: أسرقتَ؟ فقال بعضُ من حضرَ: اصدق أمير المؤمنين. فقال معاوية: الصدقُ في بعض المواطن عجْز. وقال له عمرو بن العاص: قد أعياني أن أعلمَ شجاعٌ أنت أم جبان؟ فقال:

شجاعٌ إذا ما أمكنتني فرصةٌ ... فإن لم تكن لي فرصةٌ فجبانُ

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account