قالوا: إن معاوية بن أبي سفيان دعا بالطعام يوماً، وقد أصلح له عجل مشوي، فأكل معه دستاً من الخبز السميذ وأربع فراني وجديا حاراً، وجدياً بارداً سوى الألوان، ووضع بين يديه مائة رطل من الباقلي الرطب فأتى عليه.
وذكروا أن أبا القماقم بن بحر السقاء عشق مدينية، فبعث إليها أن إخوانا لي زاروني، فابعثي إليّ برءوس، حتى نتغدى ونصطبح على ذكرك. ففعلت، فلما كان في اليوم الثاني بعث إليها: إنا لم نفترق فابعثي إليّ سنبوسكا حتى نصطبح اليوم على ذكرك، فلما كان في اليوم الثالث بعث إليها: إن أصحابي مقيمون فابعثي إلى بقلية جزورية شهية، حتى نأكلها ونصطبح على ذكرك، فقالت لرسوله: إني رأيت الحب يحل في القلب، ويفيض على الأحشاء والكبد، وإن حب صاحبي هذا ليس يجاوز المعدة.
خرج طفيلي من منزل قوم مشجوجاً، فقيل له: من شجك؟ قال: ضرسي.
قال المدائني في كتاب الأكلة: كان معاوية يأكل أربع أكلات آخرهن أعضلهن واشدهن، يتعشى فيأكل ثريدة عظيمة عليها بصل كثير، وكان فاحش الأكل يلطخ منديلين أو ثلاثة قبل أن يفرغ، وكان يأكل حتى يتسطح، ثم يقول: يا غلام ارفع، فوالله ماشبعت، ولكن مللت.
قال: وكان عبيد الله بن زياد يأكل في اليوم خمس أكلات آخرهم جبنة بعسل، ويوضع بين يديه بعد ما يفرغ من الطعام عناق أو جدى فيأتي عليه وحده.
قال: وقال الحسن: وقدم علينا عبيد الله بن زياد، فقدم شاباً مترافاً سفاكاً للدماء له في كل يوم خمس أكلات، فإن فاتته أكلة ظل لها صريعاً وجلا، يتكئ على شماله ويأكل بيمينه، حتى إذا أخذته الكظة قال: أبغوني حاطوما. ثكلتك أمك إنما تحطم دينك.
وقال: أكل عمرو بن معد يكرب عنزاً رباعية، وفرقاً من ذرة، والفرق ثلاثة أصوع. وقال لامرأته أم ثور: عالجي لنا هذا الكبش حتى أرجع. قال: فجعلت توقد، وتأخذ عضواً عضواً فتأكله، فاطلعت، فإذا ليس في القدر إلا المرق، فقامت إلى كبش آخر فبطحته، ثم أقبل عمرو فثردت له في الجفنة التي يعجن فيها، ثم كفأت القدر، فقال: يا أم ثور أدنى للغداء. قالت: قد أكلت، فأكل واضطجع ودعاها إلى الفراش، فقالت: يا أبا ثور بيني وبينك - والله - كبشان.
حج سليمان بن عبد الملك، فقال لقيمّه على طعامه: أطعمني من خرفان المدينة بخبز ماء. ودخل الحمام فأطال المكث فيه. قال: قيّمه، فخرج وقد شويت له أربعة وثمانين خروفاً، فجلس وقال لي: ما صنعت؟ قلت: قد فرغت. قال: هات. فجعلت أجيئه بواحد واحد، فيتناول رغيفاً وشحم كلية فأكل أربعة وثمانين خروفاً، كل خروف قد أخذ نصف بطنه، ثم قال لي: ادع عمر بن عبد العزيز، فدعوته له، ثم أذن للناس، ودعا بالغداء فأكل معهم كما أكلوا كأنه لم يطعم شيئاً قبل ذلك.
وحكى عن رجل قال: دخلت مطبخ سليمان، فوجدت مطبخ سليمان، فوجدت فيه اثنين وثمانين فخارة فيها نواهض، قالوا يأكلها أمير المؤمنين كلها. وخرج يوماً من منزله يريد منزل يزيد بن المهلب، فتلقاه فدخل منزله فقال له: أتريد الغداء يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم. فأكل أربعين دجاجة كردناك سوى ما أكل من الطعام.
قال بعضهم: رأيت هلال بن الأسعر المازني أكل ثلاث جفان ثريد، واستسقى، فجاءوا بقربة مملوءة نبيذاً فوضعوا فمها في شدقة، وصبوا القربة حتى أفرغوها فشربها. وهلال هذا هو الذي أكل بعيراً وأكلت امرأته وبينك بعيران؟ وكان بلال بن أبي بردة أكولاً، يحكى عن قصاب أنه: قال جاءني رسول بلال سحراً فأتيته وبين يديه كانون عليه جمر، وفي داره تيس ضخم، فقال: دونك هذا التيس فاذبحه، فذبحته وسلخته، فقال: أخرج هذا الكانون إلى الرواق، فأخرجته، فقال: دونك اللحم فكببه. ودعا بخوان، فجعلت أشرح اللحم وألقيه على الجمر، فإذا استوى قدمته إليه فيأكل، حتى لم يبق من التيس إلا العظام، ثم دعا بنبيذ فشرب خمسة أقداح، وقد بقيت قطعة من اللحم على الجمر، فقال: كلها فأكلتها، وقال: اسقوه. فناولوني قدحاً من النبيذ فشربته. وجاءت جارية ببرمة عليها قصعة فيها ناهضان، ودجاجتان وأرغفة، فأكل ذلك كله، ثم جاءت جارية أخرى معها قصعة مغطاة لا أدري ما فيها، فضحك إلى الجارية وقال: ويحك. ليس في بطني موضع لهذا الذي جئتني به، ولكن ضعي القصعة على رأسي، فضحكت الجارية ورجعت، فقال لي: الحق بأهلك. فرجعت وقد طلع الفجر، وأنا أجد دبيباً في رأسي من القدح الذي شربته.