قال أبو العيناء: كان بالريّ مجوسي موسر فأسلم، وحضر شهر رمضان فلم يطق الصوم، فنزل إلى سرداب له وقعد يأكل، فسمع حساً من السرداب، فاطلع فيه وقال: من هذا؟ فقال الشيخ: أبوك الشقيّ يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس.
قال كشاجم: أخبرت عن قاضيين ظريفين كانا متجاورين، أن أحدهما وجه إلى الآخر في غداة باردة يدعوه إلى الهريسة، ويقول: إنها قد أحكمت من الليل، فرد الرسول، وقال: قل له قد عققتني، ولم ترد برّي، لأن حكم الهريسة أن يدعى إليها من الليل فرجع الرسول فقال: ارجع فقل له: ذهب عنك الصواب ليس كل الهرائس تسلم وتجئ طيبة، فلم أدعك إلا بعد أن تبينت طيبها وصلاحها، فنهض إليه.
قالوا: أطول الليالي ليلة العقرب، وليلة المزدلفة، وليلة الهريسة. قالوا: قال أظرف الناس، الباقلاء بقشوره أطيب من طب الجياع، وليس في الرزق حيلة. وهذا من حجج الطفيليين.
قدم إلى عبد الرحمن بن محمد بن الشعث دجاجة مسمنة مشوية، فقال: يا غلام: أنّى لك هذا؟ إعجاباً بسمنها، فقال: بعث بها الحريش بن هلال القريعيّ وهو معه على المائدة، فقال: يا غلام، أخرج إليّ كتاباً من ثنى الفراش، فإذا هو كتاب الحجاج إليه يأمر أن يقتل الحريش، ويبعث برأسه إليه؛ فلما رآه الحريش قطع به وتغير لونه، فقال ابن الأشعث: أقبل على طعامك. أترانا نأكل دجاجتك ونبعث برأسك إليه؟ والله لا يوصل إليك حتى يوصل إليّ. فقال الحريش:
وابنفسي دجاجة لم تخني ... وضعت لي نفسي مكان الأنوق
فرّجت كربة المنية عني ... بعد ما كدت أن أغص بريقي
في أبيات يمدح بها الأشعث.
قال عثمان الدقيق - وكان صوفياً - : رأيت أبا العباس بن مسروق وهو أحد شيوخ الصوفية في يوم مطير على الجسر مشدود الوسط، فقلت له: يا عمّ إلى أين في هذا اليوم المطير؟ فقال: إليك عني؛ فقد بلغني أن بالمأمونية رجلاً يقول: ليس الباذنجان طيباً، أريد أن أمضي إليه وأقول له: كذبت وأرجع.
قال أعرابي: رأي ورلاً يحارب حية، فغلبته وأكلته، وهو يحاربها بذنبه، ثم جاء قنفذ، فاجتمع بعد أن أخذ ذنبها بفيه، ثم جعل يأكلها حتى أفناها، فأخذت القنفذ وشويته وأكلته، فكنت قد أكلت القنفذ والورل والحية.
كان أحمد بن أبي خالد وزير المأمون شرها، فيقال: إنه حين انصرف دينار بن عبد الله من الجبل والمأمون واجد عليه، فأقام بالمدائن حتى رحني عنه ووجه إليه أحمد بن أبي خالد، وقال: قل له فعلت كذا، وأخذت كذا، فمضى أحمد ومعه ياسر رجله، أرسله معه المأمون، وقال له: إن تغذى عنده عمل ما يريد، وإن لم يتغد بلغ ما أريد، فلما علم دينار بمجيئه، قال لو كيله: قل له حين يخرج من الحراقة: قد فرغنا من الطعام فهل تختار شيئاً؟ فقال له ذلك، فقال له: نعم، فراريج كسكرية بماء الرمان ففعل ذلك وخبز له خبز الماء، ثم أعلمه بفراغه، فقال: هات طعامك فإني أجوع من كلب، فأتى به فأكل عشرين فروجاً، ووضع يده في كل شيء، ثم جئ بخمس سمكات بعد أن شبع، فأكل منها أكل من لم يذق شيئاً قبلها وكان أدى رسالة المأمون قبل أكله، فقال دينار: ما لكم عندي إلا سبعة آلاف ألف درهم، ما أعرف غيرها، فلما تغدى قال لدينار: احمل ما ضمنت لي. فقال: قد أعددت الستة آلاف درهم. قال له ياسر رجله: إنها سبعة آلاف ألف، وكذا قلت: وسمع أبو العباس ذلك وسمعناه، فقال أحمد: ما أحفظ ما كان، ولكن قل الآن نسمع. قال دينار: ما قلت إلا ستة آلاف ألف.
فانصرف أحمد، سوبقه ياسر فأخبر المأمون الخبر، فلما دخل أحمد إليه أخبره بأنه أقرّ بخمسة آلاف ألف، فقال له ياسر: إنها سبعة آلاف ألف، وكذا قال دينار، فضحك المأمون، وقال: ألف ألف للغداء، فما قصة هذه؟ وأخذ من دينار ستة آلاف ألف، وقال: ما قام غداء على أحد أغلى مما قام على غذاء أحمد بألف ألف درهم.
وكان قد عرف المأمون شرهه، فكان إذا وجهه في حاجة أمره بأن يتغدى ويمضي، ويقول له: اطمئن بالمكان الذي تذهب إليه واسترح واكتب إلى بما تفعل.
ورفع إلى المأمون في المظالم: إن رأى أمير المؤمنين أن بجرى على ابن أبي خالد نزلاً فإن فيه كلبية؛ لأن الكلب يحرس المنزل بالكسرة، وابن أبي خالد يقتل المظلوم ويعين الظالم بأكلة، فأجرى عليه المأمون في كل يوم ألف درهم لمائدته، وكان مع ذلك يشره إلى طعام الناس.