قيل لطفيلي: لم قطعت فلاناً صديقك؟ قال: لأنه يسبقني إلى بيضة البقيلة، وقفا السمكة، وخاصرة الجدي.
نظر بعضهم إلى قوم ذاهبين في وجه، فعلم أنهم يذهبون إلى وليمة، فقام وتبعهم فإذا هم شعراء قد قصدوا باب السلطان بمدائح لهم، فلما أنشد كل واحد منهم شعره وأخذ جائزته، ولم يبق إلا الطفيلي، وهو جالس لا ينطق، قيل له: أنشد، فقال: لست بشاعر. قالوا: فمن أنت؟ قال: أنا من الغاوين الذين قال الله جل ذكره فيهم: " والشعراء يتبعهم الغاوون " فضحك الخليفة وأمر له بمثل جائزة الشعراء.
قال بعضهم: أفضل البقاع وخيرها ثلاثة. قيل: وما هي؟ قال: دكان الرواس، ودرجة الخباز، ومطبخ الجواد. وأفضل الخشب وخيره ثلاثة: سفينة نوح، وعصا موسى، ومائدة يؤكل عليها.
مر طفيلي إلى باب عرس، فمنع من الدخول، فذهب إلى أصحاب الزجاج ورهن رهناً، وأخذ عشرة أقداح، وجاء وقال للبواب: افتح حتى أدخل هذه الأقداح التي طلبوها. ففتح له، ودخل وأكل وشرب مع القوم، ثم حمل الأقداح، وردها إلى صاحبها، وقال: لم يرضوها، وأخذ رهنه.
ودخل آخر إلى قوم فقالوا: ما دعوناك، فما الذي جاء بك؟ قال: إذا لم تدعوني ولم أجئ وقعت وحشى، فضحكوا منه وقربوه.
جاء آخر إلى قوم ودق الباب عليهم، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا الذي رفعت مئونة الإرسال عنكم.
قال بعضهم: كنت مع بنان في دعوة، ومعنا على المائدة جماعة من الكتاب وغيرهم، وكان بين يدي رجل منهم دجاجة سمنة، فضرب بنان بيده إليها فتناولها من بين يديه، فقلت له: يا بنان لم تفعل كذا؟ فقال: إنه - أصلحك الله - مشاع غير مقسوم.
قيل لبعضهم، وقد أسرف في أكل شيء: إن هذا يستحيل في المعدة مرة صفراء. فقال: لو ظهرت لي المرة الصفراء لأكلتها.
قدم إلى بعضهم، وهو يأكل مع جماعة، بقيلة، فمد يده إلى البيضة، فقال: يقال إنه لا يأكلها إلا شره، ولا يتركها إلا عاجز، ولأن أكون شرها أحب إلي من أن أكون عاجزاً.
قيل لبعضهم، وقد أكل رءوساً وأكثر منها: أما تخاف التخمة؟ قال: لا. إن لي بطناً ما دخله شيء إلا جعل الله حده الأسفل.
قال بعضهم: أتاني رجل عشياً، فطلب تمراً، وأمرت بإحضار شيء كثير منه جداً. فابتدأ يأكل ونمت، فلما أصبحت وخرجت فإذا هو يأكل، فقلت: باكرت التمر. قال: لم أنم بعد - فديتك أنا آكل منذ رأيتني.
وكان بعضهم يباكر الأكل، فقيل له: اصبر حتى تطلع الشمس، فقال: أنا لا أنتظر بغدائي من يقدم من أقصى خراسان.
قيل لبعضهم: أي الطعام آثر في نفسك؟ قال: ما لم أنفق عليه.
قيل لبعضهم: كل من قدامك. فقال: أترى من خلفي هو ذا آكل؟ سمع ابن المغنى مغنياً يغني:
أشارت بمدراها، وقالت لتربها ... أهذا المغيري الذي كان يذكر؟
فقال: سذابة في رأس جدي قد عمل سلافة أحسن من مدراها.
كان بعضهم إذا دعي فقدم الخوان كان أول من يتقدم، ثم يقول: " وعجلت إليك رب لترضى " .
قيل لبعضهم: التمر يسبح في البطن. فقال: إن كان التمر يسبح فاللوز ينج يصلي في البطن تراويح.
قيل لآخر: كيف أكلك؟ قال: كما لا يحبه البخيل.
سمع آخر خشخشة الخلال فأمسك، فقيل له: كل. قال: حتى يسكن هذا الإرجاف.
قيل لواحد: لم أنت حائل اللون؟. فقال: للفترة بين القصعتين، مخافة أن يكون الطعام قد فني.
قال بعضهم: كنت أمر في بعض أزقة بغداد إذ صيح: الطريق الطريق فالتفتّ فإذا بإنسان محمول على محفة، فقلت: ما أصابه؟ قيل: أكل الهريسة فأعجزته عن المشي والحركة، ونحن نحمله إلى منزله.
دخل العبدي على قوم يأكلون، فقالوا له: هلم. فقال: قد أكلت، ثم جلس يعظم اللقمة ويبادر بالمضغ، فقيل له: ألست قد أكلت؟. فقال: الكذب يمرئ، ونعم الشيء الحموضة للخمار.
زعموا أن الطفيليين يقولون: إن الصليّة تبشّر بما بعدها من كثرة الطعام، كما أن البقيلة تخبر بفنائه، فهم يحمدون تلك ويسمونها المبشرة، ويذمون هذه ويسمونها الناعية، حتى صار المخنثون إذا شتموا إنساناً قالوا: يا وجه البقيلة.
قال البعفوري: اشتهي أن آكل من العنب الرازقيّ حتى ينشق بطني. فقيل له: أو تشبع؟ قال: هذا ما لا يكون.
أضاف الأعمش أعرابياً وجاءه برطب وجعل ينتقي أطايبه، فقال الأعرابي: لا تنتق منه شيئاً، فلست أترك منه واحدة.