جاز الأعمش يوماً بابن له صغير وهو عريان، يلعب في الطين مع الصبيان فلم يثبته، فقال لبعض من كانوا معه: انظر إلى هذا، ما أقذره من صبي وأطفسه! ويجوز أن يكون أبوه أقذر منه. فقال له صاحبه: هذا ابنك محمد. ففتح عينيه ومسحهما، ونظر إليه وتأمله، ثم قال: انظروا إليه بحق الله عليكم، كيف يتقلب في الطين كأنه شبل؟ عين الله عليه.
قيل للأعمش: ما تصنع عند مظهر أخي يقطين؟ قال: آتيه كما آتي الحش! إذا كانت بي إليه حاجة.
ومرض فعاده رجل، وأطال الجلوس ثم قال له: يا أبا محمد، ما أشد ما مر بك في علتك هذه؟ قال: دخولك إليّ. وعاده آخر فقال: كيف تجدك؟ قال: في جهد من رؤيتك، قال: ألبسك الله العافية. قال: نعم، منك.
حضر يحيى بن أكثم مجلس المتوكل، وتغدى، ثم حضر الشراب والغناء، فقال له المتوكل: يا يحيى، قد كثر التخليط، وليس هذا وقتك. فقال يحيى بن أكثم: ما كنتم إلى قاض قط أحوج منكم إليه إذا كثر التخليط. فضحك وأمر له بمال.
أقر رجل عند شريح بشيء، ثم ذهب لينكر، فقال شريح: قد شهد عليك ابن أخت خالتك. يعني: أنك أقررت على نفسك.
اشترى رجل من رجل شاة فإذا هي تأكل الذبان، فخاصمه إلى شريح فقال: لبن طيب وعلف مجان.
مر شريح بمجلس لهمدان فسلم، فردوا عليه وقاموا له فرحبوا. فقال: يا معشر همدان، إني لأعرف أهل بيت منكم لا يحل لهم الكذب. قالوا: من هم يا أبا أمية؟ قال: ما أنا بالذي أخبركم بهم. قال: فجعلوا يسألونه وتبعوه ميلاً أو قرابة ميل، ويقولون: يا أبا أمية من هم؟ وهو يقول: لا أخبركم، فانصرفوا عنه وهم يتلهفون ويقولون: ليته أخبرنا بهم.
قال ابن أبي ليلى: انصرفت مرة مع الشعبي من مجلس القضاء أنا وجرير بن يزيد - وهو يمشي بيننا - فمررنا بخادمة سوداء تغسل ثوباً في إجّان على باب دار، وهي تقول:
فتن الشعبي لما ... فتن الشعبي لما
وتكرره، فلما رأته سكتت فقال الشعبي:
رفع الطرف إليها
وقال: أردت أن يخرج اسمي من فمها.
دخل الشعبي وليمة فقال: ما بالكم كأنكم اجتمعتم على جنازة؟ أين الغناء والدف؟ قال الأعمش لجليس له: تشتهي سمكاً زرق العيون بيض البطون، سود الظهور، وأرغفة باردة لينة، وخلاً حاذقاً؟ قال: نعم. قال: فانهض بنا. قال الرجل: فنهضت معه ودخل ودخلت معه.
فقال: جر تلك السلة. قال: فكشفتها فإذا فيها رغيفان يابسان وسكرجة وكامخ وشبث، فجعل يأكل وقال: تعال وكل. قلت: فأين السمك؟ قال: ما قلت لك إن عندي سمكاً، إنما قلت لك: أتشتهيه؟.
واشترى جارية فقال له أصحابه: كيف رأيتها؟ قال: فيها من صفة الجنة خصلتان: برد وسعة.
وحدّث سليمان مولى الشعبي، أن الشعبي كان إذا اختضب فغرض لاعب ابنته بالنرد حتى يعلق الخضاب.
قال حفص بن غياث: أتيت باب الأعمش فسألته عن حديث، فألجأني إلى الحائط، وعصر حلقي وأفلتني، فعدوت وقلت: والله لأشكونك إلى أبي. فقال: ردوه، لا يقعد لنا في طريق الخير. وكان غياث أبوه يجرى على الأعمش ذكر أن ميسرة المكي قال: لما نفى المتوكل يحيى بن أكثم إلى مكة كنا ندخل إليه، فذكرت له فأراد مداعبتي ليتسقطني فقال: كم سنك؟ قلت: أعزك الله، أنا أذكر موت الرشيد، وأنا قابض على لحيتي. وقبض على لحيته. قال: فاشتغل يحيى بالحساب، وبقي الناس ينظرون، ثم فطن فتبسم وقال: نعم أنا أذكر موت آدم وأنا قابض على لحيتي. قال: ولم يعد إلى شيء من مداعبتي.
وسأل يحيى عن أخبار الناس فقيل له: ولّي بغا الكبير حرب دمشق، وجعل له أنه أمير كل موضع دخله. فقال يحيى: وإن دخل من حيث خرج!؟ وذكر عنده البراق يوماً، فقال: قد رووا أنه دون البغل وفوق الحمار، وأن خطوه منتهى بصره. فإن كان على ذلك فهو شبكور. فكان الناس يطعنون في دينه لهذا الكلام وأمثاله؟ وقال لرجل من أمنائه يكنى أبا عوف: نصف كنيتك يطفئ السراج.
وكان يغشاه رجل يدعى الحارث، ويكنى أبا الأسد، فقال له: أنت الأسد أبو الحارث؟ فقال: أصلحك الله أنا الحارث أبو الأسد. قال: أنت في الرجال أم أنتها في النساء؟.