وقال: كفى بالمرء غيا أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يعيب شيئاً ثم يأتي مثله، أو يبدو له من الحية ما يخفى عليه من نفسه، أو يؤذي جليسه فيما لا يعنيه.
وقيل له: أي الجهاد أفضل؟ فقال: جهادك هواك.
وقال: ثلاث من كن فيه كمل: من لم يخرجه غضبه عن طاعة الله، ولم يستنزله رضاه إلى معصية الله، وإذا قدر عفا وكف.
حكى عن عدي بن الفضيل قال: خرجت إلى عمر أستحفره بئراً بالعذبة، فقال له: وأين العذبة؟ فقلت: على ليلتين من البصرة، فتأسف ألا يكون بمثل هذا الموضع ماء، فأحفرني واشترط عليّ أنه أول شارب يأتي السبيل. قال: فحضرته في جمعة وهو يخطب فسمعته يقول: أيها الناس، إنكم ميتون، ثم إنكم مبعوثون، ثم إنكم محاسبون، فلعمري: لئن كنتم صادقين لقصرتم، ولئن كنتم كاذبين لقد هلكتم، أيها الناس، إنه من يقدر له رزق برأس جبل أو بحضيض أرض يأته، فأجملوا في الطلب.
قال: فأقمت عنده شهراً ما بي إلا استماع كلامه.
قيل: أتي الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج، فقال له: أما تقولت في الحجاج؟ قال: ما عسيت أن أقول في الحجاج؟ وهل الحجاج إلا خطيئة من خطاياك؟ وشررة من نارك؟ فلعنك الله، ولعن الحجاج معك. وأقبل يشتمهما، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: ما تقول في هذا؟ قال عمر: وما أقول فيه؟ هذا رجل يشتمكم، فإما أن تشتموه كما شتمكم أو تعفو عنه. فغضب الوليد وقال لعمر: ما أظنك إلا خارجياً. فغضب عمر وقال: ما أظنك إلا مجنوناً. وقام وخرج مغضباً. ولحقه خالد بن الريان، فقال له: ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين؟ والله لقد ضربت بيدي إلى قائم سيفي أنتظره متى يأمرني بضرب عنقك. فقال له عمر: وكنت فاعلاً لو أمرك! قال: نعم. فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان، فقام على رأسه كما كان يقوم على رأس من كان قبله من الخلفاء. قال: وكان رجل من الكتاب يضر وينفع بقلمه، فجاء حتى جلس مجلسه الذي كان يجلس فيه الخلفاء. قال: فنظر عمر إلى خالد بن الريان، وقال: يا خالد ضع سيفك؛ فإنك تطيعنا في كل أمر نأمرك به، وضع أنت يا هذا قلمك، فقد كنت تضر به وتنفع. ثم قال: اللهم إني قد وضعتهما لك فلا ترفعهما. قال: فوالله ما زالا وضيعين مهينين بشر حتى ماتا.
وقال: ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت له أن يمد له في حجته، حتى يكثر كلامه فأسمعه. ولذلك قال يونس: ليس في أسد إلا خطيب أو شاعر أو قائف أو راجز أو كاهن أو فارس.
يروى أن عمر بن عبد العزيز كان يدخل عليه سالم مولى بني مخزوم، وقالوا: بل زياد، وكان عمر أراد شراءه وعتقه، فأعتقه مواليه، وكان عمر يسميه أخي في الله، فكان إذا دخل وعمر في صدر بيته تنحى عن القبلة، فيقال له في ذلك، فيقول: إذا دخل عليك من لا يهولك فلا تأخذ عليه شرف المجلس.
وهمّ السراج ليلة أن يخمد، فوثب رجاء بن حيوة ليصلحه، فأقسم عليه عمر فجلس، ثم قام عمر فأصلحه، فقال له رجاء بن حيوة: أتقوم يا أمير المؤمنين! قال: قمت وأنا عمر، وتعللت وأنا عمر.
وقال: قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتاب.
وقال لمؤديه: كيف كانت طاعتي إياك وأنت تؤدبني؟ فقال: أحسن طاعة.
قال: فأطعني الآن كما كنت أطيعك إذ ذاك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك ومن ثوبك حتى يبدو عقباك.
ويروى أن عمر خرج يوماً فقال: الوليد بالشام، والحجاج بالعراق، وقرة بن شريك بمصر، وعثمان بن حيان بالحجاز، ومحمد بن يوسف باليمن. امتلأت الأرض والله جوراً.
وقال عبد الملك ابنه له يوماً: يا أبت إنك تنام نوم القائلة، وذو الحاجة على بابك غير نائم. فقال: يا بني إن نفسي مطيتي، وإن حملت عليها في التعب خسرتها.
وذكر عمر زياداً، فقال: قاتل الله زياداً. جمع لهم كما تجمع الذرة، وحاطهم كما تحوط الأم البرة، واصلح العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام في شامهم، وجبى من العراق مائة ألف ألف، وثمانية عشر ألف ألف درهم.
وخطب الناس لما مات ابنه عبد الملك، فقال: الحمد لله الذي جعل الموت حتماً واجباً على عباده، فسوى فيه بين ضعيفهم وقويهم، ورفيعهم ودينهم، فقال تبارك وتعالى: " كل نفس ذائقة الموت " . فليعلم ذوو النهى منهم أنهم صائرون إلى قبورهم، مقرون بأعمالهم، واعلموا أن لله مسألة فاحصة، قال تبارك وتعالى: " فوربك لنسئلنهم أجمعين. عما كانوا يعملون " وقال: إذا استأثر الله بشيء فاله عنه.