وعهد عند موته فكتب: هذا ما عهد أبو بكر خليفة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر. إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذاك علمي به، ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت ولكل امرئ ما اكتسب من الإثم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: دخلت عليه في علته التي مات فيها، فقلت: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله. فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي، إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه. والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي ما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان. والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حق خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. يا هادي الطريق جرت، إنما هو والله الفجر أو البجر.
فقلت: خفّض عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا يهيضك إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحاً مصلحاً لا تأسى على شيء فتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيراً.
بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أقواماً يفضلونه على أبي بكر رضي الله عنه، فوثب مغضباً حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله، ثم أقبل على الناس فقال: إني سأخبركم عني وعن أبي بكر: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، ومنعت شاتها وبعيرها، فأجمع رأينا كلنا أصحاب محمد أن قلنا: يا خليفة رسول الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده اللهم بهم، وقد انقطع ذلك اليوم، فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بالعرب. فقال أبو بكر: أو كلكم رأيه هذا؟ فقلنا: نعم. فقال: والله لأن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أحب إليّ من أن يكون هذا رأيي.
ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وكبره، وصلى على النبي عليه السلام، ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. أيها الناس؛ ألأن كثر أعداؤكم وقل عددكم ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره المشركون. قوله الحق ووعده الصدق: " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون " و " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " .
أيها الناس. لو أفردت من جمعكم لجاهدتم في الله حق جهاده حتى ابلغ من نفسي عذراً، أو أقتل مقتلاً. أيها الناس؛ لو منعوني عقالاً لجاهدتم عليه، واستعنت بالله فإنه خير معين.
ثم نزل فجاهد في الله حق جهاده حتى أذعن العرب بالحق.
وقال لأبي بكر رجل: والله لأشتمنك شتماً يدخل معك قبرك. قال: " معك يدخل والله لا معي " .
وقال: والله إن عمر لأحب الناس إليّ. ثم قال: كيف قلت؟ فقالت عائشة: قلت: والله إن عمر لأحب الناس إليّ. فقال: اللهم أعزّ الولد ألوط.
ومر بعبد الرحمن ابنه وهو يماظّ جاراً له، فقال: لا تماظّ جارك فإنه يبقى ويذهب الناس.
وشكي إليه بعض عماله، فقال: أنا اقيد من وزعة الله؟ وكان من كلامه في خطبته يوم الجمعة: الوحاء الوحاء النجاء النجاء. وراءكم طالب حثيث مره سريع. تفكروا عباد الله، فيمن كان قبلكم: أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الشباب الوضاء المعجبون بشبابهم، صاروا كلا شيء. أين الملوك الذين بنوا الحوائط واتخذوا العجائب؟ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، وهم في ظلمات القبور، " هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً " أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ تضعضع بهم الدهر وصاروا رميماً. أين من كنتم تعرفون من آبائكم وأبنائكم، وإخوانكم وقراباتكم؟ وردوا على ما قدموا، وخلوا يالشقاوة والسعادة فيما بعد الموت.
اعلموا عباد الله أن الله ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه خيراً، ولا يدفع عنه ضراً إلا بطاعته، واتباع أمره. فإن أحببتم أن تسلم دنياكم وآخرتكم فاسمعوا وأطيعوا، ولا تفرقوا فتفرق بكم السبل، وكونوا إخواناً كما أمركم الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.