خطب يوماً، فلما فرغ من الحمد لله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك " . فرفع الناس رؤوسهم. فقال: ما لكم معاشر الناس؟ إنكم لطعانون عجلون، إن الملك إذا ملك زهده الله فيما في يديه، ورغبه فيما في يدي غيره، وانتقصه شطر أجله، وأشرب قلبه الإشفاق، فهو يحسد على القليل، ويتسخط الكثير، ويسأم الرخاء، وتنقطع عنه لذة البهاء، لا يستعمل الغيرة، ولا يسكن إلى الثقة. هو كالدرهم القسي، والسراب الخادع، جذل الظاهر، حزين الباطن، فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه، حاسبه الله، فأشد حسابه، وأقل عفوه.
ألا إن الأمراء هم المحرومون، إلا من آمن بالله، وحكم لكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإنكم اليوم على خلافة نبوه، ومفرق محجة، وسترون بعدي ملكاً عضوضاً، وملكاً عنوداً، وأمة شعاعاً، ودماً مفاحاً، فإن كانت للباطل نزوة ولأهل الحق جولة يعفو لها الأثر، وتموت السنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر. أي بلادكم خرشنة؟ فإن الله سيفتح عليكم أقصاها، كما فتح عليكم أدناها.
ومن كلامه أنه أخذ يوماً بطرف لسانه وقال: هذا الذي أوردني الموارد.
وقدم وفد من اليمن عليه، فقرأ عليهم القرآن فبكوا فقال: " هكذا كنا حتى قست القلوب " . وقال: " طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام " .
ولما قال أحباب بن المنذر يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، إن شئتم كررناها جذعة. منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري شيئاً في الأنصاري رد عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئاً في المهاجري رد عليه المهاجري.
فأراد عمر الكلام، فقال أبو بكر: على رسلك. نحن المهاجرون، وأول الناس إسلاماً، وأوسطهم داراً وأكرم الناس أحساباً وأحسنهم وجوهاً، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم رحماً برسول الله صلى الله عليه وسلم. أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو. آويتم وواسيتم ونصرتم، فجزاكم الله خيراً. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم محقوقون ألا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما ساق الله إليهم.
ومن كلامه ذلك اليوم: نحن أهل الله، وأقرب الناس بيتاً من بيت الله، وأمس الناس رحماً برسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت له الأوس لم تقصر عنه الخزرج، وقد كان بين الحيين قتلى لا تنسى، وجراح لا تداوى، فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي الأسد يضغمه المهاجري، ويجرحه الأنصاري. قال ابن دأب: فرماهم الله بالمسكتة.
حدث سفيان بن عيينة لما قال عمر لأبي بكر: استخلف غيري. قال أبو بكر: ما حبوناك بها، وإنما حبوناها بك. ثم أنشد سفيان قول الحطيئة:
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثر
وقيل له في مرضه: لو أرسلت إلى الطبيب! قال: قد رآني. قيل: فما قال؟ قال: قال إني أفعل ما أشاء.
وقال لخالد بن الوليد حين أخرجه إلى أهل الردة: احرص على الموت توهب لك الحياة.
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مردفاً أبا بكر، فكان الرجل يلقى أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: يهديني السبيل. يعني الحق.
ولما أسلم قالت قريش: قيضوا لأبي بكر رجلاً يأخذه. فقيّضوا له طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم فقال: يا أبا بكر إليّ. قال: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى. فقال أبو بكر: من اللات والعزى؟ قال: بنات الله. قال: فمن أمهن؟ فسكت. وقال لأصحابه: أجيبوا صاحبكم. فسكتوا فقال طلحة: يا أبا بكر فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فأخذ أبو بكر بيده، فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسلم.
ولما استخلف أبو بكر قال للناس: شغلتموني عن تجارتي فافرضوا لي. ففرضوا له كل يوم درهمين.
ولما أرادوه على البيعة قال: علام تبايعونني، ولست بأقواكم ولا أتقاكم؟ أقواكم عمر، وأتقاكم سالم. وكان إذا مدح يقول: اللهم أنت أعلم مني بنفسي، وأنا أعلم منهم بنفسي، اللهم اجعلني خيراً مما يحسبون، واغفر مالا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.