Scattered Pearls

رحمة الله عليه ورضى الله عنه:

Original text Public domain

Read with the dictionary

هذا هو الفصل الثاني من كتاب نثر الدر، وكنا وعدنا أن نخلط الجد بالهزل، والجيد بالرذل، والحكم بالملح، والمواعظ بالمضاحك، ليكون ذلك استراحة للقارئ، تنفى عنه الملل والسآمة، وتشحذ الطبع والقريحة، وتروح القلب، وتشرح الصدر، وتنشر الخاطر، وتذكى الفهم، فإن القلب إذا أكره عمي، والخاطر إذا مل كلّ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق " . وقال عليه السلام: " بعثت بالحنيفية السهلة " . وقال علي: لا بأس بالفكاهة يخرج بها الرجل من حد العبوس. وكان ابن عباس إذا أكثر عليه من مسائل القرآن والحديث يقول: " أحمضوا " يريد: خذوا في الشعر وأخبار العرب. وقال أبو الدرداء: " إني لأجم نفسي بشيء من الباطل ليكون أقوى لها على الحق " . وفي حديث زيد بن ثابت " أنه كان من أفكة الناس إذا خلا مع أهله، وأزمتهم في المجلس " . وقال عطاء بن السائب: " كان سعيد بن جبير يقص علينا حتى يبكينا، وربما يقص علينا حتى يضحكنا " . وقال الزهري: " الأذن مجاجة، وللنفس حمضة " .

وبعد، فإن الذي يأتي في أثناء هذا الكتاب من الهزل ربما صار داعية لطالبه إلى أن يتصفح ما قبله من الجد، فيعلق منه بقليه ما ينتفع به، ويذوق حلاوة ثمرته، ويعرف به قبح ضده، حتى يصير ذلك لطفاً في النزوع عن تماديه في غيّه، وتهوكه في هزله، وأدنى ما فيه أن يتنزه عن مثله، ويتحامى أن يبدر منه ما عيب على غيره من فعله، فليس يخلو ذلك من نادرة ماجن لا يتحاشى من باطله، أو فلتة مغفل يرمى غير غرضه. وأخليت الفصل الأول من هذه النوادر والملح؛ لأني كرهت أن أفصل بها بين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعترته، وبين كلام أصحابه وحفدته، الذين واسوه بأنفسهم وأموالهم، وأطاعوه في أقوالهم وأفعالهم، وهجروا له أوطانهم وبلادهم، وقاتلوا معه إخوانهم وأولادهم، ووقوه بأنفسهم حر الجلاد، وجاهدوا معه في الله حق الجهاد، حتى ظهر دين الله، وعلت كلمة الله، وحتى وضح الصبح لذي عينين، ببدر وأحد وحنين.

فقدمت كلام أبي بكر الصديق، إذ كان المتقدم لكل ذي صحبة، والسابق الأول من غير كبوة، قاتل أهل الردة الكفار، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأتبعته بكلام عمر بن الخطاب القوي الأمين، الذي لم تغمز قناته في ذات الله، ولم تأخذه هوادة في دين الله، درت عليه أفاويق الدينا، وألقت إليه كنوز القرون الأولى، فقبض ولم يقبض، وقضم ولم يخضم، ورضف ولم يعب، حتى فارقها خميص البطن من حطامها، خفيف الظهر من آثامها.

ثم كلام عثمان بن عفان ذي السابقة والصهر الكريم، وجامع القرآن والذكر الحكيم.

ثم أوردت لمعاً من كلام سائر الصحابة من غير تقديم للأفضل فالأفضل، ولا ترتيب للأقدم فالأقدم والأقرب فالأقرب، بل على ما اتفق وبحسب ما اتسق. وذكرت مواعظ ونكتاً من كلام عمر بن عبد العزيز، فإنه وإن لم يدرك شأو المذكورين، فإنه غبر في وجوه أهله المطعونين، وكلامه أشبه بكلام الصدر القديم، وأحرى ألا يكون مصدره إلا عن الصدر السليم.

وختمت الفصل بأبواب تشتمل على نوادر مليحة، ومضاحك لطيفة.

الفصل الثاني

وهذا الفصل يشتمل على عشرة أبواب: الباب الأول: كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

الباب الثاني: كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الباب الثالث: كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه.

الباب الرابع: كلام سائر الصحابة رحمهم الله ورضي عنهم.

الباب الخامس: كلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

الباب السادس: مزح الأشراف والأفاضل.

الباب السابع: الجوابات المستحسنة جداً وهزلاً.

الباب الثامن: نوادر المتنبئين.

الباب التاسع: نوادر المدينيين.

الباب العاشر: نوادر الطفيليين والأكلة.

الباب الأول من الفصل الثاني:

في كلام أبي بكر الصديق

رحمة الله عليه ورضى الله عنه:

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account