أعجزني وهن السنين عن خدمة السلاطين، فهجرت مغشى أبوابهم وقطعت اسبابي من اسبابهم واستقلت من خدمتهم ورددت عليهم ما حولوني من نعمهم، لعلمي ان ضعف الهرم لا يقوى على تكاليف الخدم، وان سوق الشيخ الكبير لا ينفق على الأمير.ولزمت داري وجعلت الخمول شعاري ورضيت نفسي بالانفراد في الغربة ومفارقة الأوطان والتربة، إلى ان تسكن نفارتها عن مرارتها وصبرت صبر الأسير على قده، والظمآن ذي الغلة عن ورده.مكاتبة مولانا الملك الناصر صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، جامع كلام الإيمان قامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، محي دولة أمير المؤمنين أبو المظفر يوسف بن أيوب، جمل الله الأسلم والمسلمين بطول بقائه، وأيدهم بماضي سيوفه وأرائه، واضفى عليهم وارف ظله كما أصفى لهم من الأكدار موارد فضله برحمة نقبت عني في البلاد ودوني الحزن والسهل، بمضيعة من الأرض لامال لدي ولا أهل.فأستنقذني من أنياب النوائب براية الجميل وحملني إلى بابه العالي بإنعامه الغامر الجزيل، وجبر ما هاضه الزمان مني، ونفق على كرمه ما كسد عليه من سواه من علو سني، فغمرني بغرائب الرغائب، وانهينني من إنعامه اهنى المواهب حتى رعى لي بفائض الكرم، ما اسلفت سواه من الخدم، فهو يعتد لي بذلك ويرعاه رعاية من كأنه شاهد وراه، فعطاياه تطرقني وأنا راقد وتسري إلي وأنا محتسب قاعد، فأنا من إنعامه كل يوم في مزيد، وإكرام كتكرمة الأهل وأنا أقل العبيد.امنني جميل رأيه حادث الحادثات، وأخلف لي إنعامه ما سلبه الزمان بالنكبات المجحفات، وأفاض علي من نوافل فضله بعد تأدية فرضه وسنته، ما يعجز الأعناق عن حمل ايسر منته.ولم يبقى لي جوده املاً ارجوا نيله، اقضي زماني بالدعاء به نهاره وليله، والرحمة التي تدارك بها العباد، أحيى ببركتها البلاد، والسلطان الذي أحيى سنة الخلفاء الراشدين، واقام عمود الدولة والدين، والبحر الذي لا ينضب لكثرة الواردين مأوه، والجواد الذي لا ينقطع مع تتابع الوافدين عطاؤه.فلا زالت الأمة من سيوفه في حمى منيع، ومن إنعامه في ربيع مريع.ومن عدله في أنوار تكشف عنهم ظلم المظالم، وتكف بسطة يد المعتدي الغانم، ومن دولته القاهرة في ظل وارف، وفي سعود متتابع آنف في أثر سالف، ما تعاقب الليل والنهار، ودار الفلك الدوار
دعوت وقد أمن الحافظان ... وذو العرش ممن دعاه قريب
وقد قال سبحانه للعباد ... سلوني فإني سميع مجيب
والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين، وحسبنا الله ونعه الوكيل..
الباب الثاني
أخبار ونوادر
وما بكم من نعمة فمن الله. قال أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمينهذه طرف أخبار حضرت بعضها وحدثني بعضها من اثق به جعلتها إلحاقاً في الكتاب، إذا ليست مما قصدت ذكره فيما تقدم، وابدأت منها بأخبار الصالحين رضي الله عنهم أجمعين .
أخبار الصالحين
بصيرة البصري
حدثني الأمام الخطيب سراج الدين أبو طاهر إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم خطيب مدينة إسعرد بها في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وخمس مائة.قال حدثني أبو الفرج البغدادي قالشهدت مجلس الشيخ الإمام أبي عيد الله محمد البصري ببغداد حضرته امرأة فقالتيا سيدي انك كنت ممن شهد في صداقي، وقد فقت كتاب المهر، وأسألك أن تتفضل علي تقيم الشهادة بمجلس الحكم.فقالما أفعل حتى تأتيني بحلاوة.فوقفت المرأة وهي تظن انه يمزح بقوله.فقالما أفعل حتى تأتيني بحلاوة.فمضت ثم عادت فأخرجت من جيبها من تحت الإزار قرطاساً فيه حلاوة يابسة.فتعجب أصحابه من طلبه الحلاوة مع زهد ه وتعففه، فأخذ القرطاس وفتحه ورمى بالحلاوة قطعة قطعة حتى فرغ القرطاس، ونظره فإذا هو كتاب صداق المرأة الذي فقدته.فقالخذي صداقك فهذا هو فاستعظم من حضره ذلك.فقالكلوا الحلال وقد فعلتم ذلك وأكثر منه.
سمع ابن قبيس