FluentPlex

The Book of Contemplation

مديح صلاح الدين

Original text Public domain

Read with the dictionary

وكنت أظن ان الزمان لايبلي جديده ولا يهي شديده، واني إذا عدت إلى الشام وجدت به أيامي كعهدي ما غيرها الزمان بعدي.فلما عدت كذبتني وعود المطامع، وكان ذلك الظن كالسراب اللامع.اللهم غفرًا هذه جملة اعتراضية عرضت، ونفثة هم اقضت ثم انقضت.أعود إلى المهم وأدع تعسف الليل المدلهم، لوصفت القلوب من كدر الذنوب، فوضت إلى عالم الغيوم، علمت ان ركوب أخطار الحروب، لا ينقص مدة الأجل المكتوب.فأنني رأيت يوم تقاتلنا نحن والإسماعيلية في حصن شيزر معتبراً يوضح للشجاع العاقل والجبان الجاهل، ان العمر موقت مقدر، لا يتقدم أجله ولا يتأخر.وذلك اننا بعد فراغنا ذلك اليوم من القتال، صاح إنسان من جانب الحصنالرجال!وعندي جماعة من أصحابي معهم سلاحهم، فبادرنا إلى الذي صاح فقلناما بالك؟فقالحس الرجال هاهنا.فجئنا إلى إسطبل خال مظلم فدخلنا فوجدنا رجلين معهما سلاحهما فقتلناهما.ووجدنا رجل من أصحابنا مقتولاً وهو على شيء فرفعناه، ووجدنا تحته رجلاً من الباطنية قد تسجى ورفع المقتول على صدره، فحملنا صاحبنا وقتلنا الذي كان تحته ووضعنا صاحبنا في الجامع بالقرب من ذلك المكان وفيه جراح عظيمة، ولا نشك انه ميت لا يتحرك ولا يتنفس.وأنا والله كنت أحرك رأسه على بلاط الجامع برجلي ولا نشك انه ميت.وكان المسكين يجتاز الأصطبل فسمع حساً فأدخل رأسه ليحقق السماع، فجذبه واحد منهم فضربوه بالسكاكين حتى ظنوا انه قد مات.فقضى الله سبحانه ان خيطت الجراح التي في رقبته وفي جسمه وعوفي وعاد من صحته كما كان عليه.فتبارك الله مقدر الأقدار وموقت الآجال والأعمار.وشاهدت ما يقارب ذلك وهو ان الإفرنج لعنهم الله أغاروا علينا ثلث الليل الآخر.فركبنا نتبعهم فمنعنا عمي عز الدين رحمه الله من اتباعهم وقالهذه مكيدة والإغارة تكون بالليل.وخرج من البلد رجالة خلفهم ما علمنا بهم.فوقع الإفرنج ببعضهم عند رجوعهم، قتلوا وسلم بعضهم.واصبحت أنا واقفاً في بندر قنين قرية عند المدينة فرأيت ثلاثة شخوص مقبلة أما إثنان كالناس، أما الأوسط فما وجهه كوجه الناس.فلما دنوا منا فأما الوسطاني منه قد ضربه إفرنجي بسيف في وسط انفه قطع وجهه إلى أذنيه، وقد استرخى نصف وجهه وصار على صدره.وبين النصفين من وجهه فتح قريب من شبر وهو يمشي بين رجلين، فدخل البلد فخاط الجراحي وجهه وداواه، فالتحم ذلك الجرح وعوفي وعاد إلى ما كان عليه إلى ان مات على فراشه، كان يبيع الدواب ويسمى ابن غازي المشطوب، وإنما سمي بالمشطوب بتلك الضربة.فلا يظن ظان ان الموت يقدمه ركوب المخاطر، ولا يأخره شدة حرر، ففي بقائي أوضح معتبر، فكم لقيت من الأهوال وتقحمت المخاوف والأخطار ولاقيت الفرسان وقتلت الأسود وضربت بالسيوف وطعنت بالرماح وجرحت بالسهام والجروح وأنا من الأجل في حصن حصين - إلى ان بلغت تمام التسعين، فرأيت الصحة والبقاء، كما قال صلى الله عليه وسلمكفى بالصحة داء.فأعقبت النجاة من تلك الأهوال، ما هو أصعب من القتل والقتال.وكان الهلاك في كنه الجيش اسهل من تكاليف العيش، استرجعت مني الأيام بطول الحياة سائر محبوب اللذات، وشاب كدر النكد صفو العيش الرغد فأنا كما قلت

مع الثمانين عاث الدهر في جلدي ... وساءني ضعف رجلي واضطراب يدي

فاعجب لضعف جد مضطرب ... كخط مرتعش الكفين مرتعد

فاعجب لضعف يدي عن حملها قلماً ... من بعد حطم القنا في لبة الأسد

وإن مشيت وفي كفي العصا ثقلت ... رجلي كأني أخوض الوحل في الجلد

فقل لمن يتمنى طول مدته ... هذي عواقب طول العمر والمدد

ضعفت القوة ووهنت، وتقضت بلهينة العيش وانتهت، ونكسني التعمير بين الأنام، والى الخمول يؤول تسعر الظلام، حتى أصبحت كما قلت

تناستني الآجال حتى كأنني ... دريئة سفر بالفلاة حسير

ولما تدع مني الثمانون منة ... كأني إذا رمت القيام كسير

أؤدي صلاتي قاعداً وسجودها ... علي إذا رمت السجود عسير

وقد أنذرتني هذه الحال أنني ... دنوت رحلة مني وحان مسير

مديح صلاح الدين

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account