وجه بديع الحسن في الغلمان ... مصوّر من حدق الحسان
كأنه في ناظر الإنسان ... إنسان عين الحسن في الزمان
ومن خصائصها الفيل والكركند والببر والببغاء والطاووس والعاج والساج والتوتيا، والقرنفل والسنبل والتنبل والنارجيل، وجوز الطيب والسيوف والحراب والذهب والعطر، وهي أكثر خصائص من كل البلدان على الإطلاق.
سمرقند: لما أشرف عليها قتيبة بن مسلم قال: كأنها السماء في الخضرة، وكأن قصورها النجوم اللامعة، وكأن أنهارها مجرة. وكان يقول: سمرقند جنة في الأرض ترعاها الخنازير. ومن خصائصها الكواغد التي أزرت بكواغد الأرض في الطول والعرض، والجلود الرقاق التي لا توجد في الدنيا، وكان الأوائل يكتبون كتب العلوم والحكمة والتواريخ فيها لحسنها ولينها وقامتها، وقال الشاعر:
للناس في أُخراهم جّنة ... وجنة الدنيا سمرقند
يا من يساوي أرض بلخٍ بها ... هل يستوي الحنظل والقند
الصين: ومن خصائصها الظروف الصينية، ولهم الفخار الفاخر الذي لا يوجد في غيرها. ولهم الإبداع في خرط التماثيل وإتقانها، وعمل التصاوير والنقوش المدهشة كالأشجار والوحوش والطيور والأزهار والثمار وصور الإنسان على اختلاف الحالات والأشكال والهيئات، حتى لا يعجزهم شيء إلا الروح والنطق، ثم لا يرضون بذلك حتى إن مصورهم يفصل بين الشخص الضاحك من الغضب والضاحك من العجب والضاحك من سرور والضاحك من الخجل، ولهم الحرير المثمر، وبها المماطر التي لا تبل بالمطر، ولهم الستائر التي يستتر بها الفارس والفرس في الحرب ولا تؤثر السهام فيها ولا الجروح، ويكون زنة كل واحدة منها دون الرطل الشامي، ولهم مناديل الغمر التي إذا اتسخت ألقيت في النار فتعود جديدة ولم تحترق.
بلاد الترك: هي بلاد توازي بلاد الهند في كثر خصائصها كالمسك والسمور والسنجاب والقماقم والفنك، والثعالب السود والحذنك واليشم، والحزحار الذي يتخذ من ذنبه وعرفه المطارد.
فأما تبت فهي أيضاً من بلاد الترك، وقد خصت بجوهر شريف وعرض لطيف. فأما الجواهر فالذهب الذي ينبت فيها. وأما العرض فمن أقام بها اعتراه الفرح والسرور، ولو مات له عشرة من الأولاد لا يعتريه حزن ولا هم ولا يدري ما سبب ذلك، وإن الغريب الذي يدخلها لا يزال مسروراً منبسطاً حتى يخرج منها. وهذه خصوصية عظيمة.
خوارزم: تناسب بلاد الترك أيضاً في الخصائص، ويجلب منها السمور والوبر الفاخر والسموك المملحة والبطيخ الغريب النوع والطعم والحلاوة، وهي أشد بلاد الله برداً وشتاء، حتى إن جيون يجمد مع عمقه وعظمته فتمشي على متنه الجامد القوافل والعجل والفيول، وربما بقي جامداً مدة تزيد على الشهرين لكنها تصير كالأرض اليابسة الجلدة.
انتهت خواص البلدان.
وهنا نبذة تناسب هذا المكان
حكي أن أبا علي الهاشمي وأبا دلف الخزرجي كانا يوماً في مجلس أنس عند عضد الدولة بن بويه، وكانا شاعرين بليغين، فقال أبو علي لأبي دلف: صب الله عليك الحمى الخيبرية والدمامل الجزرية والقروح البلخية. فقال له أبو دلف من غير ترو: يا مسكين قد بلغ عظمك السكين أتنقل التمر إلى البصرة والعطر إلى اليمن ؟ لا بل صب الله عليك ثعابين مصر وأفاعي سجستان، وعقارب شهرزور، وجرارات الأهواز، ووباء جرجان، وصب علي برود اليمن ومقصب مصر، وتفاصيل إسكندرية وحلل الصين، وخزوز الكوفة، وأكسية فارس، وشربناف أصفهان، وصقلاطون الروم وتصافي بغداد، ومنير الري وطوز نيسابور، وملح مرو، وسنجاب خزخيز، وسمور بلغار وثعالب الخزر، وفنك كاشغر، وحواصل هراة وقندس التغزغز وتكك أرمينية، وجوارب قزوين، وأفرشني بسط شيراز، وأخذ مني خصيان الخطا وغلمان الترك وسراري بخارى ووصائف سمرقند، وحملني على نجائب نجد وعتاق البادية وحمير مصر وبغال برذعة، ورزقني تفاح الشام وموز اليمن، ودبس أرجان وتين حلوان وعناب طبرستان، وإجاص بست ورمان الري وكمثرى نهاوند ومشمش طوس، وسفرجل خلاط وبطيخ خوارزم، وأشمني مسك تبت وعود الهند وكافور قنصور وأترج المربد ونارنج البصرة ومنثور الصغد ونوفر السودان، وورد جور، ونرجس الدست، وشاهسفرم ترمذ.
فلما سمع عضد الدولة ذلك ضحك وتعجب من استحضاره خواص البلدان في الحال، وأمر له بخلعة سنية ومال. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.