نيسابور: يقال إن كل بلدة موسومة بسابور فهي جليلة نفيسة، كسابور من فارس وجند سابور من الأهواز، وقرى سابور من الهند، ولا كنيسابور التي هي سرة خراسان وغرتها. ويقال إن كل بلد لها اسمهان فناهيك بها شرفاً وعظمة، كمكة يقال لها بكة، والمدينة يقال لها يثرب، ومصر يقال لها الفسطاط، وحلب يقال لها الشهباء، وبغداد يقال لها مدينة السلام، وبيت المقدس يقال لها إيلياء؛ ودمشق يقال لها الشام، والري يقال لها المحمدية؛ وأصفهان يقال لها حي، ويقال لها اليهودية أيضاً، وسجستان يقال لها زرنج، وخوارزم يقال لها كاث. ونيسابور يقال لها أبرشهر.
وكان المأمون يقول: عين الشام دمشق، وعين الروم قسطنطينية، وعين العراق بغداد، وعين خراسان نيسابور، وعين ما وراء النهر سمرقند. وكان ابن الليث صاحب نيسابور يقول: ألا أقاتل عن بلدة حشيشها البرساس، وحجرها الفيروزج، وترابها طين الأكل الذي لا يوجد مثله في الأرض، ويحمل من زورن نيسابور إلى أدنى الأرض وأقصاها ويتحف به الملوك والسادات.
أما الفيروزج: فلا يكون إلا بنيسابور، وربما بلغ فيمة الفص المثقال والمثقالين وفوق ذلك. وقد جمع الخضرة والنضارى والخاصية، وكونه لم يتغير بالماء الحار. وتبلغ القطعة المتميزة منه مائة دينار. ولما دخل إليها أحمد بن طاهر قال: يا لها من بلدة جليلة، لو لم يكن لها عينان، وكان ينبغي أن تكون مياهها التي في باطن الأرض على ظاهرها، وأن تكون مسالخها التي على ظاهرها في باطنها. وأنشد:
ليس في الأرض مثل نيسابور ... بلد طيب ورب غفور
طوس: من خصائصها الشيح الذي لا يكون إلا بها، والحجر الأبيض الذي يتخذ منه القدور والمقالي والمجامر، وقد يتخذ منه كل ما يتخذ من الزجاج: كالأقداح والكيزان وغيرها. وقيل: قد ألان الله لأهل طوس الحجر كما ألان لداود عليه السلام الحديد.
هراة: مدينة عظيمة ينشد فيها:
هراة أرضٌ خصبها واسع ... ونبتها التفّاح والنرجس
ما أحدٌ منها إلى غيرها ... يخرج إلا بعد ما يفلس
ومن خصائصها: الكشمش وهو نوع من الزبيب الذي لا يوجد ببلد غيرها مثله، والطائفي أيضاً وهو نوع فاخر من الزبيب، وهو الذي يقال فيه:
وطائفيّ من الزبيب به ... تنقّل الشّرب حين تنتقل
كأنه في الإناء أوعيةٌ ... من السحاريّ ماؤها عسل
مرو: وهي مدينة جليلة بناها ذو القرنين؛ ويقال لها أم خراسان: وينشد فيها:
بلد طيب وماءٌ معين ... وثرى طيبه يفوح عبيرا
وإذا المرء قدّر السير منه ... فهو ينهاه باسمه أن يسيرا
بلخ: وإليها ينسب جيحون، ويقال له نهر بلخ، ويقال: العيش في الصيف ببلخ كتصحيفه. ومن خصائصها النيلوفر والبنفسج والبجاد.
سجستان: يقال ماؤها وشل ولصها بطل. ويروى في أفاعيها عن شبيب بن شبة أنه قال: صغار أفاعيها سيوف وكبارها حتوف. ومن شروط أهلها أن لا يصيدوا شيئاً من قنافذها أصلاً لأنها تأكل أفاعيها وحياتها. وقد ذكرنا أفاعي سجستان مع ثعابين مصر آنفاً، وجرارات الأهواز، وعقارب شهر زور، كما يذكر حكماء اليونان، وصاغة حران، وحاكة اليمن، وأطباء جند نيسابور، ولصوص طوس، ورماة الترك، وسحرة الهند.
بست: يقال إن هواءها كهواء العراق وماءها كماء الفرات. وسئل بعض الفضلاء عنها فقال: صفتها تثنيتها يعني أنها بستان.
غزنة: هي مخصوصة بصحة الهواء وعذوبة الماء، فالأعمار بها طويلة والأمراض بها قليلة. وما ظنك بأرض تنبت الذهب ولا تلد الحيات ولا الحشرات المؤذية ؟ فهي أذكى أرض وأطيبها وأنظفها.
ومن خصائصها أن يخرج منها الرجال الأنجاد الأجلاد. وكان أبو مسلم يكتب إلى داود صاحب غزنة أن أنفذ إلي الرجال من يزوالستان، والخيل من تخارستان، ومن مناقبها أنها قليلة الثمار لأن كثرة الثمار تقترن بكثرة الأمراض، وكلما كانت الثمار أقل ببلدة كانت الأمراض بها أقل، والهواء بها أصح والتربة أخف والماء أهنأ وأمرأ.
بلاد الهند: ناهيك بها دياراً يأتي من بحرها الدر، ومن جبلها الياقوت، ومن شجرها العود، ومن ورقها العطر والكافور؛ وأنشد الثعالبي في غلام هندي:
هذا غزال الهند في الغزلان ... كمثل عود الهند في العيدان