وذكروا أن سيحون وجيحون والنيل والفرات كلها تخرج من قبة من زبرجدة خضراء من جبل عال هناك وتسلك على البحر المظلم، وهي أحلى من العسل وأذكى رائحة من المسك ولكنها تتغير بتغير المجاري، وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال ويمد في شدة الحر حتى تنقص له الأنهار كلها، ويزيد بترتيب وينقص بترتيب، غير النيل. وسبب مده أن الله تعالى يبعث إليه الريح الشمالي فيقلب عليه البحر المالح فيصير كالسكر له فيزيد حتى يعم البلاد فإذا بلغ حد الري بعث الله عليه ريح الجنوب فأخرجته إلى البحر. ولما كان زمن يوسف عليه السلام اتخذ بمصر مقياساً يعرف به مقدار الزيادة والنقصان فإذا زاد على قدر الكفاية يستبشرون بخصب البلاد، وهو عمود قائم في وسط بركة على شاطئ النيل ولها طريق يدخل إليها منها الماء وعلى ذلك العمود خطوط معروفة بالأصابع والأذرع. وكانت كفايتهم في ذلك الوقت أربعة عشر ذراعاً، فإذا استوى الماء كما ذكرنا في الخلجان والوهاد يملأ جميع أرض مصر، فإذا استوفت الأرض ريها انكشفت تربتها وزرع عليها أصناف الزرع وتكتفي بتلك الشربة الواحدة. وليس في الدنيا نهر يشبهه إلا نهر الملتان وهو نهر السند. شعر في المعنى:
إن مصراً لأطيب الأرض طرّاً ... ليس في حسنها البديع التباس
وإذا قستها بأرضٍ سواها ... كان بيني وبينك المقياس
وحكي أن رجلاً من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام يسمى جياداً لما دخل مصر ورأى عجائبها آلى على نفسه أن لا يفارق ساحل النيل إلى منتهاه أو يموت. فسار ثلاثين سنة في العامر وثلاثين سنة في الخراب حتى انتهى إلى بحر أخضر فرأى النيل يشق ذلك البحر؛ وأنه ركب دابة هناك سخرها الله له فعدت به زماناً طويلاً وأنه وقع في أرض من حديد، جبالها وأشجارها من حديد. ثم وقع في أرض من نحاس، جبالها وأشجارها نحاس. ثم وقع في أرض من فضة جبالها وأشجارها فضة. ثم وقع في أرض من ذهب جبالها وأشجارها ذهب. وأنه انتهى في مسيره إلى سور مرتفع من ذهب، وفيه قبة عالية من ذهب ولها أربعة أبواب، والماء ينحدر من ذلك السور ويستقر في تلك القبة ثم يخرج من الأبواب الأربعة، فمنها ثلاثة تغيض في الأرض، والرابع يجري على وجه الأرض وهو النيل، والثلاثة سيحون وجيحون والفرات، وأنه أتاه ملك حسن الهيئة، فقال له: السلام عليك يا جايد، هذه الجنة. ثم قال له: إنه سيأتيك رزق من الجنة فلا تؤثر عليه شيئاً من الدنيا.
فبينما هو كذلك إذ أتاه عنقود من العنب فيه ثلاثة ألوان: لون كاللؤلؤ ولون كالزبرجد الأخضر ولون كالياقوت الأحمر. فقال له الملك: يا جايد هذا من حصرم الجنة، فأخذه جايد ورجع، فرأى شيخاً تحت شجرة من تفاح فحدثه وآنسه وقال له: يا جايد ألا تأكل من هذا التفاح ؟ فقال: إن معي طعاماً من الجنة وإني لمستغن عن تفاحك. فقال له: صدقت يا جايد، إني لأعلم أنه من الجنة، وأعلم من أتاك به وهو أخي، وهذا التفاح أيضاً من الجنة. ولم يزل به ذلك الشيخ حتى أكل من التفاح وحين عض على التفاحة رأى ذلك الملك وهو يعض على أصبعه؛ ثم قال له: أتعرف هذا الشيخ ؟ قال: لا، قال: هو والله الذي أخرج أباك آدم من الجنة، ولو قنعت بالعنقود الذي معك لأكل منه أهل الدنيا ما بقيت الدنيا ولم ينفد، وهو الآن مجهودك إلى مكانك. قال: فبكى جايد وندم وسار حتى دخل مصر وجعل يحدث الناس بما رأى في مسيره من العجائب.
بحيرة تنيس: قيل إنها كانت جنات عظيمة وبساتين، وكانت مقسومة بين ملكين أخوين من ولد إتريب بن مصر. وكان أحدهما مؤمناً والآخر كافراً، فأنفق المؤمن ماله في وجوه البر والخير حتى إنه باع حصته في الجنات والبساتين إلى أخيه الكافر، فزاد فيها ألفاً من الجنات والبساتين وأجرى خلالها أنهاراً عذبة، فاحتاج أخوه المؤمن إلى ما في يده؛ فمنعه وسبه وجعل يفتخر عليه بماله ويقول له: أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً. فقال له أخوه المؤمن: إني ما أراك شاكراً الله تعالى ويوشك أن ينتزعها منك. فقال: هذا كلام لا أسمعه، ومن ينتزع مني ذلك ؟ فدعا المؤمن عليه فجاء البحر وأغرق ذلك كله في ليلة واحدة حتى صارت كأن لم تكن.