كيف أتصدى للكذب وأتردى باللهو واللعب وأنا المنعوت باللطف والظرف والموسوم بالصمت وغض الطرف كيف أورث الغرور وأوثر الغفلة على الحضور وأنا الداعي إلى ذكر الله وحده والساعي في رد الكثرة الوهمية إلى عين الوحدة وأنا الموصوف بالستر الجميل والمعروف بشكر المعروف والجميل وهل أحجب البصر عن شهود عالم الكثافة إلا لأكشف لعين البصيرة عن عالم اللطافة وبذلك يتحقق العبد بفنائه عن وجوده فيمده الرب تعالى بسر بقائه من خزائن جوده ثم قال: (النهار لليل) وقد هجم عليه هجوم السيل أيها المدعي مقام الدعوة إلى الله وهو في خال الغفلة عن مولاه لاه كيف تسنمت ذروة هذا المنبر كأنك تكتب بالمسك وتختم بالعنبر لقد أطلت فيما (لا طائل تحته) ولا معنى فكم ذا (أسمع جعجعة ولا أرى طحناً) فلو كنت ممن انتخب غرر الشيم وانتقى لاتعظت بقوله تعالى: (فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتّقَىَ) [النجم: 32] فتنبه من غفلتك أيها "الليل" قبل أن تدعو بالثبور والويل وإلا فرقت طلائع سوادك أي تفريق ومزقت سوابغ ظلمك أي تمزيق (فما كل مرة تسلم الجرة) فاسود وجه الليل وانقلب (بحشف وسوء كيل) وندم على مناضلة النهار ندامة الفرزدق حين فارق النوار (ولما سقط في يده) ورزئ في عدة وعدده ترى بالسواد ولبس ثياب الحداد ثم لاح هلاله للعين كمنجل صنع من لجين.
انظرْ إلى حسنِ هلالٍ بدا
يجلو سنا طلعتهِ الحندسا
كمنجل قد صيغ من فضةٍ
يحصد من زهر الدجى نرجسا
وقال من ينصفني من هذا الجائر وينصت لي فأبثه شكوى الواله الحائر فحتام أعاني حد الظبا (وقد بلغ السيل الزبى).
وكنتُ كالمتمني أن يرى فلقاً
من الصّباح فلمّا أن رآه عمي
فانتبه طرف (النهار) وازدهر سراجه أي ازدهار وشرع يتلو سورة النور بكامل الابتهاج والشمس ترقم آية جماله بالذهب الوهاج.
وقابل الصبحُ جنح الليل أن يرى فلقاً
سطورهُ البيضُ في ألواحه السود