FluentPlex

The Barmakids

الرشيد والخليفة الثاني الكاذب

Original text Public domain

Read with the dictionary

فقبلت الأرض وخرجت العجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الباب الذي خرجت منه، فدخلت وجئت إلى السرير لأجلس فوجدتها جاءت من الحمام ونامت على السرير، فقعدت عند رجليها وصرت أكبسها، ففتحت عينيها فرأتني فجمعت رجليها ورفستني فرمتني من على السرير وقالت: يا نور الدين! خنت اليمن وكذبت. وذهبت إلى الست زبيدة؟ ووالله لولا خوفي من الهتيكة والفضيحة لخربت قصرها على رأسها. ثم قالت لعبدها: يا صواب، قم اضرب رقبة هذا النذل الكذاب، فلا حاجة لنا به.

فتقدم ذلك الخادم إلي وشرط ذيلي وعصب عيني، وأراد أن يضرب رقبتي فقامت إليها الجواري الكبار والصغار، وقلن لها: يا ستاه، ما هو بأول من أخطأ ما عرف خلقك، وأنت ما تبغضينه، وما فعل ذنباً يوجب أن تقتليه.

فقالت: والله لا بد أن أؤثر فيه أثراً. ثم أمرت بضربي فضربت على أضلاعي الضرب الذي رأيتموه، وأمرت بإخراجي. فأخرجوني وأبعدوني عن القصر، ورموني ورجعوا وتركوني، فلمت نفسي: فمشيت قليلاً قليلاً إلى أن وصلت إلى منزلي، وأحضرت جراحاً وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مصالحي. فلما صح جسمي دخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام. وجئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت أربعمائة مملوك ما جمعهم أحد من الملوك يركب معي في كل يوم مائتان، وعملت هذا المركب الحراقة بألف ومائتين من الذهب العين، وسميت نفسي بالخليفة، ورتبت من معي من الخدام كل واحد في وظيفة وناديت: كل من تفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة. ولي على هذه الحالة سنة كاملة ولم أسمع لها بخبر ولا وقفت لها على أثر، ثم إنه بكى وأن واشتكى وأنشد يقول:

والله ما كنت طول الدهر ناسيها ... ولا دنوت إلى من ليس يدنيها

كأنها البدر في تكوين خلقتها ... سبحان خالقها سبحان باريها

صدت ولا ذنب لي إلا محبتها ... فكيف حال الذي قد بات نابيها

وصيرتني حزيناً ساهياً دنفاً ... والقلب قد حار مني في معانيها

قال: فلما سمع هارون الرشيد كلام الشاب وما أبداه من الخطاب تعجب غاية العجب. وقال: سبحان من جعل لكل شيء سبباً.

ثم إنهم طلبوا من الشاب الانصراف وأضمر الرشيد للشاب الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف، فانصرفوا من عنده سائرين وإلى قصر الخلافة طالبين، ولما استقر بهم في منزلهم الجلوس غيروا ما كان عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب الموكب والملك والزينة، وكذلك مسرور سياف النقمة والعطب، فقال الخليفة لجعفر المهيب: يا وزير! علي بالشاب.

فخرج إليه في الحشم والخدم وسار إلى منزل الشاب فخرج إليه وسلم عليه فقال له الوزير جعفر: أجب أمير المؤمنين.

فقال: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين وحامي حوزة الدين.

فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حصر، فلما دخل إلى الخليفة ورفع الوزير الستر عن السدة الشريفة ورأى الشاب الخليفة عرفه، فقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز وأثنى عليه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين وقامع المفسدين وإمام المتقين هناك الله بما أعطاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك وأنشد يقول:

لا زال بابك كعبة مقصودةً ... وترابها فوق الجباه رسوم

حتى ينادي في البلاد بأسرها ... هذا المقام وأنت إبراهيم

فعند ذلك تبسم الخليفة في وجهه، ورد عليه السلام وأظهر له الإحسان والإكرام وقربه إليه، وأجلسه بين يديه وقال له: يا نور الدين أريد أن تحدثني بحديثك الليلة يا مسكين، فإنه من أعجب الأمور.

فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين، أعطني منديل الأمان ليهدأ روعي ويطمئن قلبي.

فقال الخليفة: لك الأمان.

فشرع الشاب يتحدث بالذي جرى له من أوله إلى آخره، فعلم الخليفة من غير إطالة أن الصبي عاشق لا محالة، فقال الخليفة: أتحب أن أردها إليك يا مسكين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول:

إن رمت إحساناً فهذا وقته ... أو رمت معروفاً فهذا حينه

فعند ذلك التفت الرشيد إلى الوزير وقال له: أحضر أختك الست دنيا بنت الوزير يحيى.

فقال له: السمع والطاعة.

فأحضرها في الوقت فلما مثلت بين يديه قال لها: أتعرفين هذا من؟ فقالت: أين للنساء معرفة بالرجال؟

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account