FluentPlex

The Barmakids

الرشيد والخليفة الثاني الكاذب

Original text Public domain

Read with the dictionary

ثم إن القاضي حمد الله تعالى وأثنى عليه وكتب الكتاب فدخلت عليها بعد أن أعطت للقاضي شيئاً ما له حساب، وأحضرت المدام وأحضرت الأقداح بأحسن نظام، فلما لعبت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية عوديةً أن تغني فأنشأت تقول:

قلبي وآمالي بباب رجاكمو ... لا أبتغي في الكون غير رضاكمو

يا جيرة جاروا علي ببعدهم ... حنوا علينا وارحموا مضناكمو

حاشاكمو، يا سادتي، أن تهجروا ... صباً معنى مغرماً بهواكمو

بالله جودوا وارحموا لمتيم ... لم يستمع فيكم حديث سواكمو

مرسى فؤادي فوق بحر رضاكمو ... فإذا شجاه حسنكم ناجاكمو

قال: فأطربتنا الجارية بحسن غنائها ولم تزل الجواري يغنين جارية بعد جارية وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوارٍ، فعند ذلك أخذت العود الست دنيا وأنشدت تقول:

قسماً بلين قوامك المياس ... إني لنار الهجر منك أقاسي

فارحم لصب في هواك متيمٍ ... يا بدر تم أنت سيد الناس

أنعم بوصلك كي أبيت بليلةٍ ... أجلو جمالك في ضياء الكاس

ما بين ورد جمعت ألوانه ... مع نرجس أيضاً وحسن الآس

قال الشاب: ثم إني أخذت منها العود وضربت عليه وغنيت هذه الأبيات:

سبحان ربي جميع الحسن أعطاكِ ... حتى بقيت أنا من بعض أسراك

يا من لها ناظر تسبي الأنام به ... خذي الأمان لنا من سحر عيناك

فالماء والنار في خديك قد جمعا ... والورد جوري نبت وسط خداك

أنت الغرام لقلبي والنعيم له ... فما أمرك في قلبي وأحلاك

قال: فلما سمعت مني ما قلت فرحت فرحاً شديداً، ثم إنها صرفت الجواري وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه من سائر الألوان، ونزعت ما عليها من الثياب وخلوت بها خلوة الأحباب، فوجدتها بنتاً بكراً بختم ربها، ففرحت بي وفرحت بها فرحاً لم أجد في عمري ليلة أطيب منها، وفيها أنشدت أقول:

يا ليل! دم لي لا أريد صباحاً ... يكفي بوجه معانقي مصباحا

طوقته طوق الحمام بساعدي ... وجعلت كفي للمنام مباحا

هذا هو الفوز العظيم فخلنا ... متعانقين، فلا نريد براحا

فأقمت عندها شهراً كاملاً، وقد نسيتُ الدكان والأهل والأوطان إلى ذات يوم من الأيام قالت: يا نور الدين قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام، وأنت اقعد على هذا السرير إلى أن أرجع إليك.

فقلت: سمعاً وطاعةً.

وحلفتني أن لا أنتقل من موضعي، فأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام، فوالله يا إخواني ما لحقت أن تخرج من رأس الزقاق، إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وأي عجوز، وقالت: يا نور الدين الست زبيدة تدعوك، فقد سمعت بشبابك وطيب غنائك.

فقلت: والله علي يمين أنني ما أقوم من مقامي حتى تأتي الست دنيا.

فقالت العجوز: يا نور الدين لا تخل الست زبيدة تصير عدوتك، فقم كلمها وارجع.

فقمت من وقتي إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الست زبيدة، فلما وصلت إليها، قالت: يا نور الدين أنت معشوق الست دنيا؟ فقلت: مملوكك وعبد رقك.

فقالت: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال، فإنك فوق الوصف والمقال، ولكن عن لي شيئاً حتى أسمعك؟ فقلت: السمع والطاعة، فأتتني بعود فغنيت عليه وأنشدت أقول:

قلب المحب مع الأحباب متعوب ... وجسمه بيد الأسقام منهوب

ما في الركائب من زمت حمولهم ... إلا وكان له في الظعن محبوب

أستودع الله لي في حبكم قمراً ... يهواه قلبي وعن عيني محجوب

يرضى ويغضب، ما أحلى تدلله ... وكل ما يفعل المحبوب محبوب

فقالت لي: حفظ الله بدنك وطيب أنفاسك، فلقد كملت في الحسن والظرف والمعنى، فقم إلى مكانك قبل أن تجيء إليه الست دنيا فلا تجدك فتغضب عليك.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account