FluentPlex

The Barmakids

الرشيد والخليفة الثاني الكاذب

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وارحموا مدنفاً كئيباً حزيناً ... ذا غرام متيماً في هواكم

قد براه السقام من عظم وجد ... يتمنى من الإله رضاكم

يا بدور محكم في فؤادي ... كيف أختار في الأنام سواكم

قال: فصرخ الشاب وشق ما عليه من الثياب فأخوا عليه البشخانة وأتوا ببذلة غيرها، وعاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح وطاب الانشراح، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة، ففتح باب وخرج منه خادم حامل كرسياً وخلفه جارية فجلست على الكرسي، وأخذت العود وغنت تقول:

هل ينقضي حال التهاجر والقلى ... ويعود لي ما قد تقضى أولا

أيام كنا والديار تلمنا ... في طيب عيش والحواسد غفلا

غدر الزمان بنا وفرق شملنا ... من بعد هاتيك المنازل والحلا

أتروم مني يا عذولي سلوةً ... وأرى فؤادي لا يطيع العذلا

فدع الملام وخلني بصبابتي ... فالقلب من أنس المحبة ما خلا

يا سادة نقضوا العهود وبدلوا ... لا تحسبوا قلبي لبعدكم سلا

قال: فلما فرغت الجارية صرخ الشاب صرخةً عظيمة، وشق ما عليه من الثياب، ووقع إلى الأرض مغشياً عليه، وسقط منه القوى والحبل، فأرادوا أن يرخوا عليه البشخانة على العادة، فتعوقت حبالها بالإرادة، فلاحت من هارون الرشيد التفاتة فنظر على أجناب الشاب أثر مقارع، فقال الرشيد بعد النظر والتأكد لجعفر: إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح، وما عند أحد منه خبر. هل رأيت ما على جنبيه من الأثر.

وقد أسبلت البشخانة عليه على العادة وأتي ببذلة غيرها فلبسها وقد أفاق من غشيته فاستوى جالساً على العادة مع الندماء، فحانت منه التفاتة فوجد جعفراً والخليفة يتحدثان، فقال لهما: ما الخبر يا فتيان؟ فقال جعفر: يا مولاي خير، لا شك ولا خفاء، إن رفيقي هذا من التجار الكبار، وسافر إلى جميع الأمصار، وصحب الملوك والأخبار، قال: إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم لم أر أحداً فعل هذا الفعل في هذه الأقاليم لأنه شق كل بذلة بخمسمائة دينار، وهذا شيء زائد في العيار.

فقال الشاب: يا هذا! المال مالي والقماش قماشي، وهذا من بعض إنعامي على الخدم والحواشي، فإن كل بذلة شققتها هي لواحد من الندماء الحضار، وقد رسمت لهم أن العوض على كل بذلة خمسمائة دينا.

فأنشد عند ذلك الوزير جعفر وقال:

بنت المكارم وسط كفك منزلاً ... فجميع مالك للأنام مباح

وإذا المكارم أغلقت أبوابها ... يوماً، فأنت لقفلها مفتاح

قال: فلما سمع الشاب من الوزير جعفر ذلك، رسم له بألف دينار وبذلة، ثم دارت بينهم الأقداح وطاب لهم شراب الراح، فقال الرشيد: يا جعفر، اسأله عن الضرب الذي رأيناه على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه.

فقال الوزير: يا مولاي لا تعجل وترفق بنفسك فالصبر أجمل.

فقال: وحياة رأسي وتربة العباس إن لم تسأله أخمدت منك الأنفاس.

فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير وقال: مالك مع رفيقك وما الخبر؟ فقال: خير يا مولانا.

فقال: سألتك بالله إلا ما أخبرتني بخبره، ولا تكتم عني شيئاً من أمره.

فقال: يا مولاي! إنه أبصر على جنبيك أثر سياط، فتعجب من ذلك غاية العجب وقال: يا لله العجب! الخليفة يضرب؟ وقصده يعلم ما السبب؟ فلما سمع الشاب هذا الكلام تبسم وقال: اللهم فنعم، واعلموا أن حديثي عجيبٌ وأمري غريبٌ لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، ثم تأوه وأن واشتكى وبكى وأنشد:

حديثي عجيب فاق كل العجائب ... وحق إلهٍ غامر بالمواهب

فإن شئتمو أن تسمعوا إلي فأنصتوا ... فيطرب هذا الجمع من كل جانب

وأصغوا إلى قولي، ففيه إشارة ... وإن كلامي صادق غير كاذب

لأني قتيل من غرام ولوعة ... وقاتلتي فاقت جميع الكواعب

لها مقلة كحلا وخد مورد ... ويقتلني منها قسيُّ الحواجب

وقد حس قلبي أن فيكم إمامنا ... خليفة هذا الوقت ابن الأطايب

وثانيكمو يدعى الوزير بجعفر ... وفي الحق يدعى صاحباً وابن صاحب

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا