فإذا انتقلت الشمس إلى برج الحمل، وقد امتلأت دروبهم من الثلج حتى سد عليهم الطرق، جمعوا مياههم وأرسلوها إلى المدينة، وحيطانها كلها صخرية، فدخل الماء دروبهم، ويحمل ما فيه من الثلج ويذهب به، ويكون ذلك اليوم عيداً عظيماً عندهم يسمونه حمل بندان، فصعدوا سطوحهم بالغناء والرقص في كل محلة، واتخذوا من الثلوج شبه قلاع يرقصون عليها، والماء يدخل عليهم ويرميهم، وهم على تل الثلج، فيقعون في وسط الماء والثلج، فيدخل الماء درباً درباً حتى تنقى المدينة كلها من الثلج.
ومن عجائبها أسد من صخر على باب المدينة عظيم جداً. حكى الكيا شيرويه أن سليمان بن داود، عليه السلام، اجتاز بموضع همذان، قال: ما بال هذا الموضع مع كثرة مائه وسعة ساحته لا تبنى به مدينة ؟ قالوا: يا نبي الله إن ههنا لا يكون مقام الناس لأن البرد به شديد والثلج به يقع قدر قامة رمح. فقال، عليه السلام، لصخر الجني: هل من حيلة ؟ فقال: نعم يا نبي الله؛ فاتخذ أسداً من صخر ونصبه طلسماً للبرد وبنى مدينة همذان.
وقال غيره: إنه من علم بليناس صاحب الطلسمات حين طلبه قباذ ليطلسم بلاده، وكان الفارس يغرق في الثلج بهمذان، فلما عمل هذا الأسد قل ثلجها. وقالوا: عمل على يمين الأسد طلسماً للحيات فقلت، وآخر للعقارب فنقصت، وآخر للبراغيث فهي قليلة بها جداً؛ قال ابن حاجب يذكر الأسد:
ألا أيّها اللّيث الطّويل مقامه ... على نوب الأيّام والحدثان
اقمت فما تنوي البراح بحيلةٍ ... كأنّك بوّابٌ على همذان
أراك على الأيّام تزداد جدّةً ... كأنّك منها آخذٌ بأمان
أقبلك كان الدّهر أم كنت قبله ... فنعلم أم ربّيتما بلبان ؟
بقيت فما تفنى وآمنت عالماً ... سطا بهم موتٌ بكلّ مكان
فلو كنت ذا نطقٍ جلست محدّثاً ... تحدّثنا عن أهل كلّ زمان
ولو كنت ذا روحٍ تطالب مأكلاً ... لأفنيت أكلاً سائر الحيوان
أحبّبت شرّ الموت أم أنت منظرٌ ... وإبليس حتى يبعث الثّقلان ؟
فلا هرماً تخشى ولا الموت تتّقي ... بمضرب سيفٍ أو شباة سنان
وحكي انه لما كان سنة تسع عشرة وثلاثمائة، عصى أهل همذان على مرداويج الديلمي، وكان صاحب الجبال، فدخل همذان ونهبها، وسأل عن الأسد فقيل: انه طلسم لدفع الآفات عن المدينة. فأراد حمله إلى الري فلم يتمكن من ذلك، فأمر بكسر ديه بالفطيس. قيل: إنما كسر يديه لأن الدواب كانت تنفر منه.
وحكي أن المكتفي بالله نظر إليه فاستحسنه، فأمر بنقله على عجلة تجرها الفيلة إلى بغداد، فهم عامل البلد بذلك، فاجتمع وجوه تلك البلاد وقالوا: هذا طلسم لبلدنا من آفات كثيرة. فكتب العامل بذلك إلى الخليفة وصعب عليه بعثه فعفا عنهم.
وحكي أن في زماننا عدا رجل في وسط همذان ويقول: يا قوم ادركوا الأسد فإني رأيته يهرب. فخرج من المدينة خلق كثير فرأوا الأسد بحاله، فيقول بعضهم: عدا من ثم إلى ههنا. وهذا دليل على بلاهة القوم.
وينسب إليها أبو الفضل بديع الزمان. كان أديباً فاضلاً ظريفاً، والمقامات التي جمعها دلت على غزارة فضله وفصاحة كلامه ولطافة طبعه. ولهذا قال أبو القاسم الحريري: إن البديع سباق غايات وصاحب آيات.
وحكي أن صديقاً له كتب إليه يشكو ويقول: إن الزمان قد فسد ! فأجابه البديع: أتزعم أن الزمان قد فسد ؟ ما تقول لي متى كان صالحاً: أفي الدولة العباسية وقد رأينا آخرها وقد سمعنا أولها ؟ أم في الأيام المروانية وفي أخبارها ما يكسع الشول بأغبارها ؟ أم في الأيام الحربية والسيف يغمد في الطلى والرمح يركز في الكلى ؟ أم في الأيام الهاشمية وعلي، عليه السلام، يقول: ليت لي بعشرة منكم واحداً من بني فراس بن غنم ؟ أم في أيام عثمان وقد قام النفير بالحجاز وشخصت العيون من الإعجاز ؟ أم في الخلافة العدوية وصاحبها يقول: بعد النزول إلى النزول؟ أم في الخلافة التيمية وأبو بكر يقول: طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام ؟ أم في عهد الرسالة وقد قيل فيه: اسكتي يا فلانة فقد ذهبت الأمانة ؟ أم في الجاهلية ولبيد يقول:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كحلد الأجرب ؟