FluentPlex

Monuments of the Lands

همذان

Original text Public domain

Read with the dictionary

وحكي أن دارا لما تأهب لمحاربة الإسكندر أحكم عمارة همذان، وجعل في وسطها حصناً لحرمه وخزانته، ووكل بها اثني عشر ألف رجل من ثقاته لحفظها متى قصدها قاصد، وذهب إلى قتال الإسكندر. فلما قتل دارا في القتال بعث الإسكندر إلى همذان قائداً اسمه صقلاب في جيش كثيف، فحاصرها، فلما عجز عنها أخبر الإسكندر بحصانة الموضع وعجزه عنه، فكتب إليه الإسكندر أن صور المدينة بجبالها ومياهها وعيونها وابعث بالصورة إلي، وأقم هناك حتى يأتيك أمري. ففعل صقلاب ذلك فأرسلها الإسكندر إلى أستاذه أرسطاطاليس وقال له: دبر لي فتح هذه المدينة. فأمره أرسطاطاليس أن يحبس مياهها حتى يجتمع منها شيء كثير ثم يرسلها إلى المدينة. ففعل صقلاب ذلك كما قال، فهدم سورها وحيطانها فدخلها صقلاب وسبى ونهب، وبقيت المدينة تلاً، وأما المدينة الموجودة في زماننا هذا فلا شك في أنها أحسن البلاد وأنزهها وأطيبها، ولهذا لم تزل محل الملوك، ولكل ملك من ملوك الجبال بها قصر يأتيه فصل الربيع والصيف. فإنها في هذين الفصلين تشبه الجنة في طيب هوائها وبرودة مائها، وكثرة فواكهها وأنواع رياحينها؛ قال محمد ابن بشار:

ولقد أقول تيامني وتشامي ... وتواصلي ديماً على همذان

فإذا تبجّست الثّلوج تبجّست ... عن كوثرٍ شبمٍ وعن حيوان

بلدٌ نبات الزّعفران ترابه ... وشرابه عسلٌ بماء قنان

فكسا الرّبيع بلادها من روضةٍ ... يفترّ عن نفلٍ وعن حوذان

حتى تعانق من خزاماه الّذي ... بالجلهتين شقائق النّعمان

بها ناحية ماوشان، وهي كورة بقرب همذان. فراسخ في فراسخ يمشي إليها أهل همذان أوان الصيف وقت إدراك المشمش.

وحكي أن أعرابياً أقام بهمذان سنين فسئل عن همذان فقال: أقمت بها سبعاً كانوا يقولون الصيف يجيء وما جاء، وذلك لأن الأعرابي رأى صيف الحجاز وصيف همذان يكون مثل شتاء الحجاز.

وحكى عبد القاهر بن حمزة الواسطي صفة همذان في الشتاء فقال: خص الله همذان في الشتاء من اللعن بأوفره ومن الطرد بأكثره، فما أكدر هواءها وأشد بردها وأذاها وأكثر مؤونتها وأقل منفعتها ! سلط الله تعالى عليها الزمهرير الذي أعده للكفار والعتاة من أهل النار. إذا هاجت الرياح العواصف وحدثت البروق والرعود القواصف وقعت الثلوج والدمق، وعم الاضطراب والقلق، وانقطعت السبل وعم طرقاتها الوحل، فترى وجوه أهلهم متشققة وشعورهم من البرد متفتقة، وأنوفهم سائلة وحواسهم زائلة، وأطرافهم خضرة وروائحهم قذرة، ولحاهم دخانية وألوانهم باذنجانية. وهم في شتائهم في الأليم من العذاب والوجيع من الحظ والعقاب. وأي عذاب أشد من مقاساة العدو الحاصر والكلب الكلب الحاضر ؟ قال أحمد بن بشار يصف همذان:

لقد أتى همذان البرد فانطلق ... وارحل على شعب شملٍ غير متّفق

أرضٌ يعذّب أهلوها ثمانيةً ... من الشّهور بأنواعٍ من الوهق

فإن رضيت بثلث العمر فارض بها ... وقد تعدّ إذاً من أجهل الحمق

إذا ذوى البقل هاجت في بلادهم ... من جربيائهم مشّاقة الورق

فالبرد يرمي سهاماً ليس يمنعها ... من المروق بلبس الدّرع والدّرق

حتّى تفاجئهم شهباء معضلةٌ ... تستوعب النّاس في سربالها اليقق

أمّا الغنيّ فمحصورٌ يكابدها ... طول الشّتاء مع اليربوع في نفق

والمملقون بها سبحان ربّهم ... ممّا يقاسون من بردٍ ومن أرق

فكلّ غادٍ بها أو رائحٍ تعبٌ ... ممّا يكابد من بردٍ ومن دمق

فالماء كالصخر والأنهار جامدةٌ ... والأرض عضّاضةٌ بالضرس في الطّرق

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account