فإن لم تعاطوا الحق فالسيف بيننا ... وبينكم والسيف أجور جائر
فتظافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان فو الله ما فت فى أعضادنا، فإنا عنهم ولقد أثأرنا صاحبنا وهم راغمون، فوثب طريف بن العاصى من مجلسه فجلس بإزاء الحارث ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل، ولا أجلب لقدع من قول هذا، والله أيها الملك! ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رقوا به درجا؛ ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفؤا به خشلا؛ ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم؛ حتى استلانوا خشونة الإزعاج، والجؤا إلى أضيق الولاج، قلا وذلاً. قال الحارث: أتسمع يا طريف؟ إنى والله ما إخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوةً تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك؛ فقال طريف: مهلاً يا حارث، لا تعرض لطحمة استنانى، وذرب سنانى، وغرب شبابى، وميسم سبابى، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء؛ فقال الحارث: إياى تخاطب بمثل هذا القول! فو الله لو وطئتك لأسختك، ولو وهصتك لأوهطتك، ولو نفحتك لأفدتك؛ فقال طريف متمثلا:
وإن كلام المرء فى غير كنهه ... لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها
أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة؛ لئن لم تربع على ظلعك، وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا؛ فقال الحارث: أما والله لو رمت ذلك لمرغت بالحيض، وأغصصت بالجريض؛ وضاقت عليك الرحاب وتقطعت بك الأسباب؛ ولألفيت لقى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس؛ فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفزة إعجال، يمنع معه تطامن الإمهال؛ فقال الملك: إيها عنكما! فما رأيت كاليوم مقال رجلين لم يقصبا، ولم يثلبا، ولم يلصوا، ولم يقفوا.
قال أبو على: المقاول والأقيال: هم الذين دون الملك الأعظم. تشاولا: تضاربا. وعاث: أفسد والعيث: الفساد. ونزرف الرجل إذا سال دمه حتى يضعف. والهجين: الذى أبو عربى وأمه ليست بعربية. والمقرف: الذى أمه عربية وأبوه ليس بعربى. والصريح: الخالص. والرباء: الزيادة، يقال: أربى فلان على فلان فى السباب يربى إرباء إذا زاد عليه، وأربى من الراب وهو مقصور، والرباء ممدود: الربا أيضاً. وتفاقم الأمر: اشتد. والعقل: الدية، يقال: عقلت فلانا إذا غرمت ديته، وعقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته، والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتا، يريد أن موضحتها وموضحته سواء، فإذا بلغ العقل ثلث الدية صارت دية المرأة على النصف من دية الرجل.