رعابة يخشى نفوس الأنّه
يصف فحلاً، يقول: يرعب نفوس الذين يأنهون. وقال غير الأصمعي: في صوته صحلٌ وصهلٌ أي بحوحةٌ. وقال: هو يتفيهق في كلامه ويتفيحق إذا توسع في الكلام وتنطع، وأصله الفهق وهو الامتلاء.
وقال الأصمعي يقال: الحقحقة والهقهقة: السير المتعب، قال وقال رؤبة:
يصبحن بعد القرب المقهقه
إنما أصله من الحقحقة، قلبوا الحاء هاء لأنها أختها، وقلبوا الهقهقة إلى الهقهقة. ومن أمثالهم: " شر السير الحقحقة " . قال وقال مطرف بن الشخير لابنه: يا عبد الله، عليك بالقصد وإياك وسير الحقحقة، يريد الإتعاب. قال أبو علي: الحقحقة مشتق من الحق أي يعطي الناقة الحق في سيرها فتجهد نفسها.
" ما قاله بعض أهل اليمن لذي رعين يعزيه يوم مات أخوه " قال أبو علي وحدثنا أبو بكر رحمه الله قال أخبرنا أبو حاتم عن أبي عبيدة ةحدثنا قال حدّثني أيضاً السكن بن سعيد عن محمد بن عباد عن ابن الكلبي - ولفظاهما متفقان غير أن أبا عبيدة قال: لبعض ملوك اليمن، وقال ابن االكلبي: لذي رعين - قال: مات أخ لذي رعين فعزاه بعض أهل اليمن فقال: إن الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولابد مما هو كائن؛ وقد حل ما لا يدفع، ولا سبيل إلى رجوع ما قد مات، وقد أقام معك، ما سيذهب عنك وستتركه؛ فما الجزع مما لابد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سينقل عنك أو تنقل عنه؛ وقد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد الأصل! فأفضل الأشياء عند المصائب الصبر، وإنما أهل الدنيا سفرٌ لا يحلّون عن الركاب إلا في غيرها، فما أحسن الشكر عند النعم والستليم عند الغير! فاعتبر بمن قد رأيت من أهل الجزع، هل رد أحداً منهم إلى ثقةٍ من درك؟ واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف، فأفق والمرجع قريب، واعلم أنما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر؛ فإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر.
" ما قاله بعض العرب يعزي رجلاً على أخيه " وحدثنا أبو بكر قال حدّثنا سعيد بن هارون الأشنانداني عن التوزي عن أبي عبيدة قال: عزى رجل من العرب رجلاً على أخيه فقال: محبوب فائت، وغنم عارض، إن ضيعته فات أيضاً وبقيت حسيراً؛ أما أخوك، فلا يذهب بك جزعك فتحط سوددك وتقلّ ثقة عشيرتك باضطلاعك بالأمور، وفي كثرة الأسى عزاءٌ عن المصائب.
وحدثنا أبو بكر قال أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال سمعت عمي يقول: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
" اجتماع وفود العرب بباب سلامة ذي فائش ليعزوه في ابنه وما قالوه في التعزية " وحدثنا عمى عن أبيه عن ابن الكلبي قال: نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول، وكان به مسروراً يرشحه لموضعه، فركب ذات يوم فرساً صعباً فكبا به فوقصه، فجزع عليه أبوه جزعاً شديداً وامتنع من الطعام واحتجت عن الناس، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه، فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه، فخرج الى الناس فقام خطباؤهم يؤنسونه، وكان في القوم الملبب بن عوف بن سلمة بن عمرو بن سلمة الجعفى، وجعادة بن أفلح بن الحارث وهو جد الجراح بن عبد الله الحكمى صاحب خراسان - فقام الملبب فقال: أيها الملك، إن الدنيا تجود لتسلب، وتعطى لتأخذ، وتجمع لتشتت، وتحلي لتمتر، وتزرع الأحزان في القلوب، بما تفجأ به من استرداد الموهوب؛ وكل مصيبة تخطأتك جلل، ما لم تدن الأجل، وتقطع الأمل؛ وإن حادثاً ألم بك، فاستبد بأقلك وصفح عن أكثرك لمن أجل النعم عليك! وقد تناهت اليك أنباء من رزىء فصبر، وأصيبت فاغتفر، اذ كان شوى فيما يرتقب ويحذر؛ فاستشعر اليأس مما فات اذ كان ارتجاعه ممتنعاً، ومرامه مستصعباً، فلشىء ما ضربت الأسى، وفزع أولو الألباب الى حسن العزاء. وقام جعادة فقال: أيها الملك، لا تشعر قلبك الجزع على ما فات، فيغفل ذهنك على الاستعداد لما يأتي، وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة أفعال أهل وهي العقول، فإن العزاء لحزماء الرجال، والجزع لربات الحجال، ولو كان الجزع يردّ فائتاً، أو يحيي تالفاً، لكان فعلاً دنيئاً، فكيف به وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب! فارغب بنفسك أيها الملك عما يتهافت فيه الأرذلون، وصن قدرك عما يركبه المخسوسون، وكن على ثقةٍ أن طمعك فيما استبدت به الأيام، ضلة كأحلام النيام.