كتب عمر رضي اللّه عنه الى ابنه عبد اللّهفي غيبة غابها: أما بعد، فإنه من اتقى اللّه وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه، فاجعل التقوى جلاء بصرك، وعماد ظهرك؛ فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له، ولا جديد لمن لا خلق له.
" كلام لبعض الحكماء " وحدّثنا أبو بكر حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: بلغني أن بعض الحكماء كان يقول: إني لأعظكم وإني لكثير الذنوب مسرفٌ على نفسي غير حامدٍ لها ولا حاملها على المكروه في طاعة اللّه عز وجلّ، قد بلوتها فلم أجد لها شكراً في الرخاء، ولا صبراً على البلاء؛ ولو أنّ المرء لايعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه لترك الأمر بالخير والنهي عن المنكر، ولكن محادثة الإخوان حياةٌ للقلوب وجلاءٌ للنفوس وتذكيرٌ من النسيان؛ واعلموا أن الدنيا سرورها أحزان، وإقبالها إدبار، آخر حياتها الموت؛ فكم من مستقبلٍ يوماً لا يستكمله، ومنتظرغداً لا يبلغه؛ ولو تنظرون الى الأجل ومسيره، لأبغضتم الأمل وغروره.
وحدّثنا أبو عبد اللّه قال أخبرنا محمد بن موسى السامي قال حدّثنا الأصمعي قال: رأيت أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول: يا حسن الصحبة، أتيتك من بُعدٍ فأسألك سترك الذي لا ترفعه الرّياح، ولا تخرقه الرماح. وأنشدني أبو بكر بن دريد للحطيئة:
مستحقبات رواياها جحافلها ... يسمو بها أشعريٌّ طرفه سامي
الرّوايا: الإبل التي تحمل الماء والزاد، فالخيل تجنب إليها فإذا طال عليها القياد وضعت جحافلها على أعجازها فصارت كأنها قد استحقبت جحافلها أي جعلتها حقائب لها، وواحد الحقائب حقيبة.
وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال أنشدنا محمد بن سلام لعمارة بن صفوان الضبي:
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك وهنا للحوادث يغلق
ومن لا يزل يوفي على الموت نفسه ... صباح مساء يا بنة الخير يعلق
أجارتنا كل امرئٍ ستصيبه ... حوادث إلا تكسر العظم تعرق
وتفرق بين الناس بعد اجتماعهم ... وكل جميع صالحٌ للتفرق
فلا السالم الباقي على الدهر خالدٌ ... ولا الدهر يستبقى جنينا لمشفق
قال: وأنشدنيه أبي، حبيباً بحاء غير معجمة.
قال أبو علي: وقرأت على أبي بكر بن دريد رحمه اللّه قال كُثير - وهجرته عزة وحلفت ألا تكلمه - فلما نفر الناس من منىً ولقيته فحيت الجمل ولم تحيه، فأنشأ يقول:
حيتك عزة بعد النفر وانصرفت ... فحيَّ ويحك من حيّاك يا جمل
لو كنت حييتها ما زلت ذا مقمةٍ ... عندي ولا مسك الإدلاج والعمل
ليت التحية كانت لي فأشكرها ... مكان يا جملاًحييت يا رجل
قال: وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال أنشدنا أبو الحسن بن البراء قال أنشدني منصور لأبي تمام الطائي:
سقيم لا يموت ولا يفيق ... قد اقرح جفنه الدمع الطليق
شديد الحزن يحزن من رآه ... أسير الصبر ناظره أريق
ضجيع صبابة وحليف شوق ... تحمل قلبه ما لا يطيق
يظل كأنه مما احتواه ... يسعر في جوانبه الحريق
" نبذة من كلام العرب " قال أبو علي: وأملى علينا أبو عبد اللّه إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي: من كلام العرب: خفة الظهر أحد اليسارين، والعزبة أحد السبابين، واللّبن أحد اللحمين، وتعجيل اليأس أحد اليسرين والشعر أحد الوجهين، والرواية أحد الهاجيين، والحمية احدى الميتتين. وأنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال أنشدنا عبد اللّه بن خلف لبشّار بن بن برد الأعمى:
يزهدني في وصل عزة معشرٌ ... قلوبهم فيها مخالفةٌ قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختاروا وارتضى ... فبالقلب لا بالعين يبصر ذو اللب
وما تبصر العينان في موضع الهوى ... ولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وما الحسن إلا كل حسنٍ دعا الصبا ... وألفّ بين العشق والعاشق الصب