وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال حدّثنا أبو عثمان عن التنوزي عن أبي عبيدة قال: قعد المأمون الحارثي في نادي قومه فنظر إلى السماء والنجوم ثم أفكر طويلاً ثم قال: أرعوني أسماعكم، وأصغوا إليّ قلوبكم، يبلغ الوعظ منكم حيث أريد؛ طمح بالأهواء الأشر، وران على القلوب الكدر، وطخطخ الجهل النظر، وإن فيما نرى لمعتبراً لمن اعتبر أرضٌ موضوعة، وسماءٌ مرفوعة؛ وشمس تطلع وتغرب، ونجوم تسري فتغرب؛ وقمرٌ تطلعه النحور، وتمحقه أدبار الشهور؛ وعاجزٌ مثرٍ، وحولٌ مكدٍ، وشابٌ مختضر، ويفن قد غبر؛ وراحلون لا يؤوبون، وموقوفون لا يفرطون؛ ومطرٌ يرسل بقدر، فيحيي البشر، ويورق الشجر، ويطلع الثمر، وينبت الزهر؛ وماء يتفجر من الصخر الأير، فيصدع المدر عن أفنان الخضر؛ فيحيي الأنام، ويشبع السوام،وينمي الأنعام؛ إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدبر المقدر، البارئ المصور. يا أيها العقول النافرة، والقلوب النائرة؛ أنّى تؤفكون، وعن أي سبيل تعمهون، وفي أي حيرة تهيمون، وإلى أي غاية توفضون؛ لو كشفت الأغطية عن القلوب، وتجلت الغشاوة عن العيون، لصرح الشك عن اليقين؛ وأفاق من نشوة الجهالة، من استولت عليه الضلالة.
قال أبو علي: قوله طمح: ارتفع وعلا. وران: غاب؛ قال عبدة بن الطبيب:
أوردته القوم قد ران النعاس بهم ... فقلت إذ نهلوا من جمهه فيلوا
ران بهم: غلب، قال الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم " . وطخطخ: أظلم. والمختضر: الذي يموت حدثاً، وهو مأخوذ من الخضرة، كأنه حصد أخضر.
وحدّثنا أبو بكر قال حدّثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال: كان شاب من العرب يلقى شيخاً منهم فيقول: استحصدت يا عماه! فيقول له الشيخ: يا بن أخي وتختضرون، فمات الشاب قبل الشيخ بمدة طويلة. ويفرطون: يقدمون. وقال أبو عبيدة قال الأموي: الحجر الأيرّ على مثال الأصم: الصلب. وتوفضون: تسرعون، يقال: أوفض إيفاضاً إذا أسرع، قال الله جل وعز: " كأنهم إلى نصبٍ يوفضون " . فأما يفيضون فيدفعون، قال الأصمعي: يقال أفاض من عرفة إلى منىً أي دفع.
" مطلب ما دار بين معاوية بن أبي سفيان وعرابة بن أوس من الحديث " وحدّثنا أبو بكر رحمه الله قال أخبرنا الرياشي عن العتبي عن رجل من الأنصار من أهل المدينة قال: قال معاوية لعرابة بن أوس بن حارثة الأنصاري: بأي شيء سدت قومك يا عرابة؟ قال:
وأصبحت في أمر العشيرة كلها ... كذي الحلم يرضى ما يقول ويعرف
وذاك لأني لا أعادي سراتهم ... ولا عن أخي ضرائهم أتتكف
وإني لأعطي سائلي ولربما ... أكلف ما لا أستطيع فأكلف
وإني لمذموم إذا قيل حاتم ... نبا نبوةً إن الكريم يعنف
ووالله إني لأعفو عن سفيههم، وأحلم عن جاهلهم، وأسعى في حوائجهم، وأعطي سائلهم؛ فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن فعل أحسن من فعلي فهو أفضل مني، ومن قصر عن فعلي فأنا خير منه؛ فقال معاوية: لقد صدق الشماخ حيث يقول فيك:
رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وأنشدنا أبو بكر رحمه الله قال أنشدنا أبو حاتم:
ألوم النائبات من الليالي ... وما تدري الليالي من ألوم
ولكن المنية لو أصيبت ... بمصرعه هي الثأر المنيم
وكان أخي زعيم بني حييٍّ ... وكل قبيلة لهم زعيم
وكنت إذا الشدائد أرهقتني ... يقوم بها وأقعد لا أقوم
وأنشدنا أبو بكر عن أبي حاتم للعجير السلولي:
تركنا أبا الأضياف في ليلة الصبا ... بمر ومردي كل خصم يجادله
تركنا فتى قد أيقن الجوع أنه ... إذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله
فتىً قُدّ قَدّ السيف لامتضائل ... ولا رهلٌ لباته وبآدله
إذا القوم أموا بيته فهو عامد ... لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله
جوادٌ بدنياه بخيل بعرضه ... عطوف على المولى قليلٌ غوائله
فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوماً دماً فهو آكله
إذا جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله