وكان يعيبهم بالخزيرة وذلك أن ركباً من مجاشع مروا في الجاهلية وهم عجالٌ على شهاب التغلبي، فسألهم أن ينزلوا فقالوا: نحن مستعجلون، فقال: لا تجوزوني حتى تصيبوا القرى، فحمل إليهم خزيرةً، فجعلوا يأكلونها على إبلهم ويعظمون اللقمل، وذلك يسيل على لحاهم.
وأما غالب أبو الفرزدق فكان يكنى أبا الأخطل، وكان سيد بادية تميمٍ، وكان أعور، وأمه ليلى بنت حابسٍ أخت الأقرع بن حابسٍ، واستجير بقبره وهو بكاظمة في حمالةٍ، فاحتملها عنه الفرزدق.
وكان له إخوةٌ، منهم هميم بن غالبٍ، وسمي الفرزدق باسمه وهو القائل:
لَعَمْرُ أَبِيكَ فلا تَكْذِبَنْ ... لَقَدْ ذَهَبَ الخَيْرُ إلا قَليلاَ
وقَدْ فُتِّنَ الناسُ في دِينِهمْ ... وخَلَّى ابْنُ عَفَّانَ شَرّاً طَويَلا
وإنما لقب بالفرزدق لغلظه وقصره، شبه بالفتيتة التي تشربها النساء، وهي الفرزدقة وكنيته أبو فراسٍ.
وكان للفرزدق أخٌ يقال له الأخطل أسن منه، وابنه محمد ابن الأخطل كان توجه مع الفزردق إلى الشأم، فمات بها، ولا عقب له، ورثاه الفزردق.
وأخته يقال لها جعثن، وكانت امرأة صدقٍ، ونزل الفرزدق في بني منقرٍ والحي خلوفٌ، فجاءت أفعى إلى جارية من بني منقرٍ يقال لها ظمياء، فدخلت معها في شعارها، فصرخت أمها، وجاء الفرزدق فسكنها، واحتال للأفعى حتى انسابت، والتزم الجارية فانتهرته، فقال:
وأَهْوَنُ عَيْبِ المنْقَريَّة أَنَّها ... شَدِيدٌ ببَطْنِ الحَنْظلِىّ لُصُوقُها
فلما بلغ بني منقرٍ قوله أرسلوا رجلا يقال له عمران بن مرة، وأمروه أن يعرض لجعثن أخت الفرزدق، فلما خرجت وثب فضرب بيده على نحرها، فصاحت، ومضى، فعير الفرزدق بذلك.
ومكث الفرزدق زماناً لا يولد له، فعيرته امرأته النوار بذلك فقال:
قالَتْ أَراهُ واحداً لا أَخَا لَهُ ... يْؤَملُهُ في الوارثين الأَباعُد
لَعَلَّك يوْماً أَنْ تَرَينْى كأَنَّما ... بَنَّى حَوَالَىَّ الأُسُودُ الحَوَاردُ
فإِنَّ تَميماً قَبْلَ أَن يَلِدَ الحَصَى ... أَقام زَماناً وهُو في الناس واحدُ
فولد له بعد ذلك لبطة وسبطة وخبطة وركضة من النوار، وزمعة وليس لواحد من ولده عقبٌ إلا من النساء.
وأجاد في قوله:
قالت وكيف يميل مثلك للصبى ... ........البيتين
وكان الفرزدق معنا مفناً، يقول في كل شيءٍ، وسريع الجواب، فمر بقومٍ ولهم، جنازةٌ، فقال: ما هذا؟ فقالوا: مات أبو الخنساء صاحب البغال، فقال:
ليَبْك أَبا الخَنْساءِ بَغْلٌ وبَغْلَةٌ ... ومِخْلاةُ سَوْءٍ قد أَضيعَ شَعيرهُا
ومِجْرفَةٌ مَطْروحَةٌ ومِحَسَّةٌ ... ومقْرَعَةٌ صَفْراءُ بالِ سُيُورُهَا
ومن إفراطه قوله:
وبَوَّأتُ قِدْرِي..... ... .........البيتين
وكان خلف بن خليفة ظريفاً شاعراً راوية، وكان أقطع له أصابع من جلود فمر بالفرزدق يوماً فقال له: يا أبا فراس من الذي يقول:
هُوَ القَيْنُ وابْنُ القَينِ لا قَيْنَ مِثْلُهُلفَطْحِ المَسَاحِى أَو لجَدْلِ الأَدَاهم
قال الفرزدق: يقوله الذي يقول:
هو اللصُّ وابْنُ اللصُّ لا لِصَّ مِثْلُهُ ... لنَقْبِ جِدارٍ أَو لِطَرَّ الدَّرَاهمِ
وأتى حفصاً السراج يشتري منه سرجاً، فمرت به امرأةٌ جميلةٌ وفي يده سرجٌ ينظر إليه، فألقي السرج من يده وقال:
مَنَعِ الحَيَاةَ منَ الرِّجال ونَفْعَها ... حَدَقٌ تُقَلِّبُها النَّساءُ مِراضُ
خَرَجَتْ إِلَيْكَ ولم تَكُنْ خَرَّاجَةً ... فأُصيبَ صَدْعُ فُؤَادِكَ المنُهْاضُ
وكأَنَّ أَفْئدَةَ الرِّجالِ إِذا رَأَوا ... حَدَقَ النِّياءِ لنَبْلها الأَغْراضُ
ورآه خالد بن صفوان يوماً وكان يمازحه، فقال: يا أبا فراس ما أنت بالذي لما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن! قال: ولا أنت يا أبا صفوان بالذي قالت الفتاة فيه لأبيها: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين.
وجاء عنبسة بن معدان إلى باب بلال، فرأى الفرزدق وقد نعس، فحركه برجله وقال: بلغت النار يا أبا فراس؟ قال: نعم ورأيت أباك ينتظرك!